منذ أكثر من 71 عاماً، وتحديداً في 23 حزيران 1955، أقرّ لبنان قانوناً لمقاطعة إسرائيل، وضع بموجبه قيوداً على التعاملات التجارية والمالية والاقتصادية معها، وصولاً إلى فرض عقوبات بالسجن قد تبلغ 10 سنوات، فضلاً عن الغرامات المالية ومصادرة البضائع والأموال المرتبطة بالمخالفات.
ومع عودة ملف العلاقات اللبنانية – الإسرائيلية والمفاوضات بين البلدين إلى الواجهة، يبرز هذا القانون باعتباره أحد أبرز النصوص التشريعية التي تنظّم موقف لبنان من التعامل مع إسرائيل، خصوصاً أنه لا يقتصر على منع استيراد المنتجات الإسرائيلية، بل يتضمّن أحكاماً تتعلق بالاتفاقات والمعاملات المالية والشركات الأجنبية وحركة البضائع عبر الأراضي اللبنانية.
فماذا يتضمّن قانون مقاطعة إسرائيل؟ وما أبرز المحظورات والعقوبات التي نصّ عليها؟
منع التعامل المباشر وغير المباشر
صدر القانون في عهد رئيس الجمهورية كميل شمعون، ووقّعه أيضاً رئيس الحكومة ووزير العدلية سامي الصلح ووزير الاقتصاد الوطني رشيد كرامي، وهو يتألّف من 13 مادة قانونية.
وتنصّ المادة الأولى على حظر عقد الاتفاقات، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، مع الأشخاص والهيئات المقيمين في إسرائيل أو المنتمين إليها بجنسيتهم أو العاملين لحسابها أو لمصلحتها، سواء تعلّق الأمر بصفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر.
كذلك، يشمل الحظر الشركات والمؤسسات اللبنانية والأجنبية التي تمتلك مصانع أو فروع تجميع أو توكيلات عامة في إسرائيل، وفق قرارات يصدرها مجلس الوزراء وتُنشر في الجريدة الرسمية.
وبذلك، لا يحصر القانون المقاطعة بالمنتجات المصنوعة داخل إسرائيل، بل يتيح توسيع نطاقها ليشمل مؤسسات وشركات أجنبية ترتبط بها اقتصادياً، وفق الآليات المحدّدة في النص.
حظر البضائع والمنتجات الإسرائيلية
تذهب المادة الثانية إلى منع دخول البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية، بمختلف أنواعها، إلى الأراضي اللبنانية، وتحظر تبادلها أو الاتجار بها.
ولا يقتصر المنع على السلع المادية، إذ يشمل أيضاً السندات المالية وغيرها من القيم المنقولة الإسرائيلية.
أما المادة السادسة، فتحظر عرض هذه المنتجات أو بيعها أو شرائها أو حيازتها، وتعتبر أن عمليات المقايضة والتبرع تدخل أيضاً ضمن المعاملات المشمولة بالحظر.
وهذا يعني أن تقديم بضاعة إسرائيلية مجاناً أو مبادلتها ببضاعة أخرى لا يخرجها من نطاق الأحكام القانونية المتعلقة بالمقاطعة.
شهادة المنشأ ومنع التصدير إلى إسرائيل
يتضمّن القانون إجراءات تهدف إلى منع وصول المنتجات الإسرائيلية إلى لبنان عبر دول أخرى.
المادة الثالثة من القانون تلزم المستورد، في الحالات التي يحدّدها مجلس الوزراء، بتقديم شهادة منشأ تتضمّن بلد تصنيع البضاعة، وتؤكد عدم استخدام أي مادة إسرائيلية في إنتاجها، مهما كانت نسبتها.
كذلك، تمنح المادة الرابعة مجلس الوزراء صلاحية اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تصدير السلع إلى دول يثبت أنها تعيد تصديرها إلى إسرائيل.
وتوسّع المادة الخامسة نطاق تطبيق هذه الأحكام لتشمل البضائع التي تمر عبر الأراضي اللبنانية وتكون وجهتها إسرائيل أو جهات مقيمة فيها، مع مراعاة الاتفاقات الدولية التي يكون لبنان طرفاً فيها.
عقوبات تصل إلى 10 سنوات سجناً
من أبرز ما يتضمّنه القانون العقوبات المشدّدة المنصوص عليها في المادة السابعة، إذ يعاقب المخالفون لأحكام المادتين الأولى والثانية بالأشغال الشاقة المؤقتة من 3 إلى 10 سنوات، إضافة إلى غرامة تتراوح بين 5 آلاف و40 ألف ليرة لبنانية، وفق المبالغ الواردة في النص الأصلي الصادر عام 1955.
كذلك، يجيز القانون منع المحكوم عليه من مزاولة عمله، فيما يعاقب مخالفي أحكام شهادة المنشأ والتدابير المتعلقة بالتصدير بالحبس من 3 أشهر إلى 3 سنوات، وبغرامة تتراوح بين 500 و5 آلاف ليرة، أو بإحدى العقوبتين.
ومن الإجراءات الأخرى، إلزام المحكمة بمصادرة الأموال والأشياء الناتجة عن الجريمة أو المستخدمة في ارتكابها، مع إمكانية مصادرة وسائل النقل إذا ثبت علم أصحابها بالمخالفة.
وتجدر الإشارة إلى أن مبالغ الغرامات المذكورة هي الواردة في النص التاريخي، ولا تكفي وحدها لتحديد قيمتها القابلة للتطبيق اليوم من دون مراجعة التشريعات اللاحقة المتعلقة بالغرامات والعقوبات.
من يتولى تطبيق القانون؟
لم يقتصر تنظيم المقاطعة على قانون عام 1955، إذ صدر في 19 نيسان 1963 المرسوم رقم 12562 لتنظيم مكتب مقاطعة إسرائيل، ووضعه تحت إشراف وزير الاقتصاد.
وتشمل مهمات المكتب جمع المعلومات وإعداد الدراسات واقتراح الإجراءات اللازمة والسهر على تنفيذ القرارات، فضلاً عن التنسيق مع الجهات المختصة بمقاطعة إسرائيل في الدول العربية.
كذلك، نظّم المرسوم آلية إدراج أسماء الشركات والمؤسسات المخالفة على لوائح الحظر وشطبها منها، وفق الإجراءات والقرارات الرسمية المعتمدة.
وبذلك، يُظهر قانون مقاطعة إسرائيل أن المشرّع اللبناني وضع منذ عام 1955 منظومة قانونية تتجاوز منع التجارة المباشرة، لتشمل التعاملات المالية وحركة الاستيراد والتصدير والشركات المرتبطة بإسرائيل، مع عقوبات جزائية وإجراءات للمصادرة والملاحقة القضائية.













