وصل التوتر في الساحة اللبنانية إلى مستويات مرتفعة خلال الساعات الماضية، خصوصاً بعد الأزمة التي أثارتها الشائعات حول الاستدعاءات القضائية والأمنية لقياديين في “حزب الله”، وصولاً إلى التحركات الشعبية المنظمة التي شهدها الشارع اللبناني. وإذا كان البعض يحاول التعامل مع هذه التطورات باعتبارها أحداثاً منفصلة، فإن قراءة المشهد السياسي والأمني توحي بأن ما يجري يتجاوز حدود الخلافات الداخلية التقليدية.
في الواقع، لم تأتِ هذه التطورات من فراغ، بل تبدو امتداداً لمسار من التوتر المتصاعد بين “حزب الله” وعدد من الأجهزة الأمنية اللبنانية، على خلفية ملفات سياسية وأمنية حساسة. وهذا التوتر، الذي بقي لفترة طويلة تحت السيطرة، بدأ يأخذ أشكالاً أكثر وضوحاً، بما يطرح تساؤلات جدية عن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو مواجهة داخلية محدودة أو نحو أزمة أوسع يصعب ضبط نتائجها.
الأهم أن ما يحصل في لبنان لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي. فالمنطقة تعيش مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تصاعد احتمالات المواجهة العسكرية واتساع رقعة الاشتباك بين المحاور المتصارعة. ومن هنا، يبدو أن لبنان قد لا يبقى بعيداً عن هذه التطورات، خصوصاً إذا كانت هناك رغبة لدى بعض الأطراف في تحويل الضغط على “حزب الله” من ضغط سياسي وإعلامي إلى ضغط أمني وميداني مباشر.
وفق هذه القراءة، قد لا يكون الهدف الوصول إلى حرب أهلية شاملة أو مواجهة عسكرية واسعة داخل لبنان، بل افتعال اشتباكات محدودة ومدروسة، تضع “الحزب” أمام معادلة صعبة: إما الرد والدخول في مواجهة داخلية تستنزفه سياسياً وشعبياً، وإما الاستمرار في ضبط النفس مع ما قد يترتب على ذلك من تراجع في قدرته على فرض الخطوط الحمر التي يعتبرها أساسية.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة. فانتقال الاشتباك من المؤسسات السياسية إلى المؤسسات الأمنية، ومن التصريحات إلى الشارع، يعني أن أدوات الصراع بدأت تتغير، وأن هامش المناورة المتاح أمام مختلف الأطراف قد يصبح أضيق بكثير مما كان عليه خلال الأشهر الماضية.
في المقابل، يبدو أن “حزب الله”، حتى اللحظة، ليس راغباً في توسيع المواجهة الداخلية، ولا في منح خصومه فرصة لجرّه إلى اشتباك قد تكون كلفته أكبر من مكاسبه. لذلك، يمكن فهم التحركات الشعبية والرسائل السياسية التي يطلقها باعتبارها محاولة لرسم حدود واضحة للمواجهة، والتأكيد أن استمرار سياسة الضغط لا يعني بالضرورة أن الحزب سيقبل بتجاوز كل الخطوط الحمر.
لكن المشكلة أن ضبط النفس من طرف واحد لا يكفي دائماً لمنع الانفجار، خصوصاً عندما تتداخل الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية، وعندما يصبح التصعيد في ساحة معينة جزءاً من مواجهة أكبر تتجاوز حدودها الجغرافية.
السؤال الأساسي اليوم لا يتعلق فقط بمدى قدرة “حزب الله” على احتواء الضغوط، بل أيضاً بما إذا كانت القوى المعنية بالتصعيد تريد فعلاً إبقاء المواجهة تحت السيطرة، أم أن هناك قراراً بدفع لبنان تدريجياً نحو مرحلة مختلفة.
فهل تنجح الرسائل المتبادلة في تثبيت قواعد اشتباك جديدة تمنع الانفجار، أم أن لبنان سيكون أمام سيناريو مشابه لما قد تشهده ساحات أخرى، وفي مقدمتها اليمن، بحيث يتحول التوتر السياسي والأمني إلى مواجهة ميدانية يصعب تحديد سقفها أو توقيت انتهائها؟












