في ظلّ التحديات المتفاقمة التي يواجهها القطاع الصحي في لبنان، يعود ملف جودة الأدوية المستوردة وآليات الرقابة عليها إلى الواجهة، حاملاً معه تساؤلات مشروعة حول استمرارية القرارات الإصلاحية التي اتُّخذت في مراحل سابقة، ومدى التزام الوزراء المتعاقبين بالحفاظ على المعايير التي وُضعت لحماية صحة المواطنين.
وفي هذا السياق، لا بدّ من التوقف عند تجربة وزير الصحة الأسبق الدكتور محمد جواد خليفة، الذي ارتبطت فترة تولّيه الوزارة باعتماد إجراءات رقابية إضافية على الأدوية المستوردة، بعيداً عن مسألة انتمائه أو مرجعيته السياسية، انطلاقاً من مبدأ أساسي مفاده أن صحة المواطن يجب أن تبقى فوق أي اعتبار سياسي أو مصلحي.
فخلال تولّيه وزارة الصحة العامة، اعتُمد إجراء يقضي بإلزام الشركات المستوردة بتقديم تحاليل مخبرية إضافية صادرة عن مختبرات مرجعية معتمدة في دول أوروبية، من بينها فرنسا وسويسرا وبلجيكا، قبل السماح لها بالمشاركة في مناقصات الوزارة المتعلقة بالأدوية المعنية.
وقد شكّل هذا الإجراء مستوى إضافياً من الرقابة على جودة الدواء، متجاوزاً المتطلبات القانونية الأساسية لتسجيله، بهدف تعزيز ضمانات السلامة والجودة، وترسيخ ثقة المواطن بالأدوية التي تدخل إلى السوق اللبنانية.
ولعلّ ما يستحق التوقف عنده في تجربة الدكتور محمد جواد خليفة هو أهمية الفصل بين الانتماء السياسي والمسؤولية المهنية. فالعمل الوزاري، ولا سيما في قطاع حساس كالصحة، يجب أن يُقاس بمدى التزامه بالمصلحة العامة، وبقدرته على تطوير المؤسسات وتعزيز الرقابة، لا بحجم المكاسب السياسية أو شبكة العلاقات والمصالح.
إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا حلّ بهذه الإجراءات الرقابية؟ وهل استمر العمل بها بالصرامة نفسها، أم أنها شهدت تراجعاً أو تعديلات في عهود لاحقة؟
وتبرز هنا تساؤلات تستوجب توضيحاً رسمياً حول ما يُثار عن وقف بعض الإجراءات الرقابية في عهد أحد الوزراء السابقين، ومدى ارتباط قرارات منح التراخيص بالمعايير العلمية والفنية وحدها، بعيداً عن أي اعتبارات أو تدخلات سياسية.
فإذا ثبت أن بعض الضوابط قد أُلغيت أو جرى تجاوزها لإرضاء جهات سياسية أو تحقيق مكاسب شخصية، فإن الأمر يستدعي مساءلة جدية وشفافة، لأن التراخيص الدوائية ليست وسيلة لكسب الولاءات أو تمهيد الطريق إلى مناصب سياسية، بل مسؤولية علمية وقانونية وأخلاقية ترتبط مباشرة بحياة الناس وسلامتهم.
إن استذكار الإجراءات التي اعتُمدت في عهد الدكتور محمد جواد خليفة ليس دعوة إلى تمجيد مرحلة سياسية أو شخص بعينه، بل مناسبة للتأكيد أن القرارات التي تعزز الصحة العامة يجب أن تشكّل أساساً يُبنى عليه، لا أن تصبح رهينة تبدّل الوزراء أو المصالح أو الحسابات السياسية الضيقة.
فجودة الدواء ليست تفصيلاً إدارياً، ولا يجوز أن تخضع لمنطق المحاصصة أو التسويات. إنها قضية أمن صحي وطني، تمسّ كل بيت لبناني، وتستوجب رقابة علمية مستقلة وشفافة، بعيداً عن أي ضغوط أو تدخلات.
ويبقى السؤال برسم وزراء الصحة المتعاقبين: لماذا لا يُستكمل النهج الرقابي الذي بدأ في عهد الدكتور محمد جواد خليفة، ويُطوَّر بما يتماشى مع أحدث المعايير الدولية؟ وهل أصبحت المصالح السياسية، في بعض المحطات، أكثر حضوراً من المصلحة الصحية للمواطن؟
إن لبنان لا يحتاج إلى قرارات صحية تتبدّل بتبدّل الوزراء، بل إلى مؤسسات تحفظ الإنجازات وتطوّرها، وإلى مسؤولين يدركون أن المنصب الوزاري تكليف لحماية الناس، لا وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية.
فالمناصب تزول، والحكومات تتبدّل، أما صحة المواطن فلا يجوز أن تكون يوماً ثمناً لأي تسوية سياسية.













