
لم يكن الاجتياح الإسرائيلي الحالي لجنوب لبنان مجرد عملية عسكرية تقليدية كما حاول البعض تسويقه.
ما يجري اليوم يتجاوز منطق “الردّ العسكري” أو “تدمير منصّات صواريخ” أو حتى “إبعاد حزب الله عن الحدود”.
نحن أمام مشروع مختلف تماماً… مشروع إعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا معاً.
الاجتياح هذه المرة ليس كاجتياح 1978، ولا يشبه حرب 2006، ولا حتى عمليات ما بعد الطوفان. إنه اجتياح صامت في أهدافه… صاخب في نتائجه. اجتياح يبدأ بالتهجير ولا يُعرف أين ينتهي.
المنطقة العازلة أم لبنان العازل؟
التصريحات الإسرائيلية لم تعد تخفي شيئاً. الحديث لم يعد فقط عن ضرب مواقع عسكرية، بل عن السيطرة على منطقة أمنية تمتد حتى نهر الليطاني، وهو ما أعلنته القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية بشكل واضح خلال الأيام الأخيرة.
بل إن وزراء في الحكومة الإسرائيلية ذهبوا أبعد من ذلك، داعين صراحة إلى اعتبار الليطاني حدوداً جديدة لإسرائيل.
هل هذا مجرد ضغط تفاوضي؟ أم بداية مشروع تغيير حدود؟
السؤال هنا لم يعد نظرياً. تهجير السكان… الهدف المخفي؟
المؤشر الأخطر ليس فقط التقدّم العسكري، بل نمط العمليات نفسها. التدمير الواسع للجسور والبلدات، والتوغّل عبر عدة محاور، يترافق مع حديث عسكري إسرائيلي عن إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان بالكامل بين الخط الأزرق والليطاني.
وهنا تكمن الخطورة.
حين تصبح الأرض خالية من أهلها… تصبح قابلة لإعادة تعريفها سياسياً.
وهنا يبدأ الاجتياح الحقيقي. هل تستطيع إسرائيل إنهاء حزب الله؟
السؤال الأكثر تداولاً اليوم في لبنان:
هل الهدف إنهاء حزب الله في كل لبنان… أم فقط جنوب الليطاني؟
إسرائيل تتحرك حالياً ضمن خطة مرحلية عنوانها:
أولاً: تفريغ الجنوب من السكان
ثانياً: فرض منطقة عازلة حتى الليطاني
ثالثاً: منع عودة أي بنية عسكرية جنوب النهر
أما “إنهاء حزب الله” في كل لبنان، فهو هدف سياسي كبير، لكنه ليس هدفاً عسكرياً قابلاً للتحقيق في هذه المرحلة.
بمعنى أدق:
ما يجري اليوم هو محاولة إنهاء حزب الله جنوب الليطاني أولاً.
لماذا يرتفع خطاب تغيير الحدود الآن؟
لأن الحرب تغيّر كل شيء.
ولأن إسرائيل تعتبر أن اللحظة الإقليمية الحالية مناسبة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك على الحدود الشمالية، خصوصاً بعد توسّع المواجهة الإقليمية مع محور إيران. وقد أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية توسيع نطاق العمليات في الجنوب ضمن حملة أوسع ضد هذا المحور.
لكن الأخطر من ذلك هو ما يقال داخل إسرائيل نفسها:
بعض الأصوات السياسية هناك لم تعد تتحدث عن “منطقة عازلة مؤقتة”… بل عن حدود جديدة دائمة.
وهذا تطور استراتيجي خطير.
لبنان أمام أخطر لحظة منذ 2006
الواقع اليوم يقول شيئاً واحداً:
لبنان لا يواجه فقط حرباً مع إسرائيل.
بل يواجه احتمال تغيير جغرافي فعلي في جنوبه.
والأخطر أن هذا يحدث بينما القرار اللبناني ما زال منقسماً، والرؤية الوطنية غائبة، والاستراتيجية الدفاعية معلّقة، والدولة تتفرّج على أخطر عملية تهجير تدريجي في الجنوب منذ عقود.
هل ستتوقف الحرب؟
السؤال الحقيقي أصبح: هل يبقى جنوب الليطاني جنوباً لبنانياً كما نعرفه… أم يتحول إلى منطقة أمنية إسرائيلية جديدة تحت اسم آخر؟










