
بيروت ليست مدينة عادية تُقاس بالأيام والتواريخ، بل مدينة تعيش على حافة الوجع وتكتب تاريخها بالندوب. بين الرابع من آب والثامن من نيسان، لا يمكن التعامل مع ما جرى كحدثين منفصلين، بل كفصلين من الجرح نفسه… جرح مدينة تُستهدف مرة من الداخل ومرة من الخارج، والنتيجة واحدة: بيروت تدفع الثمن دائماً.
في الرابع من آب، لم يكن الانفجار مجرد كارثة عابرة في سجل مدينة منكوبة.
كان لحظة سقوط الثقة الكبرى. يومها شعر اللبنانيون أن الأرض التي يقفون عليها يمكن أن تخونهم، وأن العاصمة التي احتموا بها طويلاً يمكن أن تتحول فجأة إلى مسرح موت جماعي.
لم يكن العدو واضحاً، ولم تكن الحقيقة مكشوفة، فصار السؤال نفسه جرحاً إضافياً: من فجّر بيروت؟ ولماذا تُركت وحدها؟
أما في الثامن من نيسان، فقد عاد الخوف… لكن هذه المرة بلا أقنعة. عدوان واضح، وصواريخ واضحة، ورسالة واضحة: بيروت لا يُسمح لها أن تلتقط أنفاسها. هنا لم يعد السؤال “كيف حصل ذلك؟”، بل تحوّل إلى سؤال أشد قسوة: إلى متى ستبقى هذه المدينة صندوق بريد للنار؟ وإلى متى يُفرض على أهلها أن يعيشوا تحت التهديد الدائم؟
المقارنة بين الرابع من آب والثامن من نيسان لا تختصر بحجم الدمار ولا بعدد الضحايا فقط، بل بما تركاه في ذاكرة الناس.
في الحالتين، سقط الأمان. في الحالتين، شعر اللبنانيون أن حياتهم يمكن أن تتوقف في لحظة. وفي الحالتين أيضاً، تُركت بيروت تواجه مصيرها شبه وحيدة.
ومع ذلك، هناك حقيقة واحدة لم تتبدل: هذه المدينة لا تعرف كيف تستسلم. بيروت لا تنجو لأنها بخير، بل لأنها اعتادت أن تعيش وسط الألم وتواصل الوقوف رغم كل شيء.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية… وهنا أيضاً تكمن قوة بيروت: مدينة تُجرح مراراً، لكنها ترفض أن تموت.










