مرة جديدة، يخرج نعيم قاسم ليقدّم درساً في “الكرامة الوطنية”، متّهماً الدولة بأنها قدّمت “تنازلاً مذلّاً”، ورافضاً أي تفاوض مباشر، ومتمسّكاً بسلاح خارج إطار الشرعية… وكأن لبنان شركة خاصة تُدار ببيانات حزبية لا بدستور ومؤسسات.
أي “إذلال” هذا الذي يتحدث عنه؟
هل حماية ما تبقّى من البلد عبر خفض التصعيد صارت خيانة؟
أم أن الذل الحقيقي هو إبقاء لبنان رهينة قرار عسكري منفلت، يفتح الجبهات ساعة يشاء ويغلقها ساعة تؤمر؟
الحقيقة التي يحاول قاسم القفز فوقها واضحة:
لبنان لم يندفع إلى التهدئة حباً بإسرائيل، بل هرباً من كلفة مغامرات محسوبة على محور إقليمي، دفعت البلد إلى حافة الانهيار الأمني والاقتصادي.
ستة صواريخ هنا، تصعيد هناك، ثم يُطلب من الدولة أن “تصمد” بينما الأرض تُقضم والناس تُهجّر والاقتصاد يختنق.
ثم يأتي الحديث عن أن وقف إطلاق النار ما كان ليحصل لولا إيران!
مرة جديدة، يُختصر لبنان بدور تابع، وتُلغى كل الجهود الداخلية والخارجية التي سعت لحماية ما تبقّى من الاستقرار.
ماذا عن موقع رئاسة الجمهورية؟ ماذا عن الحكومة؟ ماذا عن القرار اللبناني؟
أين يوضع دور جوزيف عون ونواف سلام في معادلة “الفضل الإيراني” التي يحاول قاسم تكريسها؟
اللبنانيون ليسوا بحاجة إلى من “يحرّرهم” من الخارج، بل إلى من يرفع يده عنهم من الداخل.
ليسوا بحاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى دولة واحدة بقرار واحد وسلاح واحد.
أما القول “لن نتخلى عن السلاح”، فليس موقفاً سياسياً بقدر ما هو إعلان صريح:
الدولة مرفوضة كشريك، والدستور مجرّد تفصيل، والسيادة تُفصّل على قياس بندقية.
المفارقة الصارخة أن من يرفض التفاوض باسم الكرامة، لا يجد حرجاً في ربط مصير لبنان بمفاوضات تجري في عواصم أخرى، من طهران إلى ما وراءها.
أي استقلال هذا الذي يُبنى على قرارات غير لبنانية؟
لبنان اليوم لا يحتاج خطابات تعبئة، بل وقفة حقيقية:
إما دولة كاملة الصلاحيات، أو ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
وإذا كان لا بد من قولها بوضوح: معظم اللبنانيون لا يريدون حرباً جديدة، ولا يريدون أن يُستخدموا ورقة في بازار إقليمي.
يريدون فقط أن يعيشوا في بلد طبيعي… لا يُختطف كلما قرر أحدهم أن “يقاوم” على طريقتِه.










