في جمهورية السلاح: هناك من يُعفى عنه… وهناك من يُدفن حيّاً في السجون

beirut News20 مايو 2026
في جمهورية السلاح: هناك من يُعفى عنه… وهناك من يُدفن حيّاً في السجون
زياد الغوش
زياد الغوش

‏في لبنان، لا يُطرح “العفو العام” كخطوة عدالة، بل كصفقة سياسية تُفصَّل على قياس موازين القوى.

عفوٌ يُفتح بابه لفئة، ويُقفل بالسلاسل بوجه فئة أخرى. عفوٌ يُستخدم لتبييض صفحات حلفاء المنظومة، فيما يبقى آلاف الشبان السنّة عالقين بين جدران السجون وملفاتٍ قضائيةٍ نائمة منذ سنوات، بلا محاكمات عادلة ولا قرارات حاسمة، وكأن المطلوب إبقاؤهم رهائن في ثلاجة الانتظار السياسي.

‏أما ملف الشيخ أحمد الأسير، فهو أكثر الملفات التي تكشف نفاق الدولة العميقة في لبنان. الجميع يهمس في الغرف المغلقة بأن ملف عبرا “مُركّب”، والجميع يعرف حجم التداخلات السياسية والأمنية التي أحاطت بتلك المرحلة، لكن لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة كاملة.

لأن الحقيقة، ببساطة، ستُحرج المنظومة كلها… من غطّى، ومن حرّض، ومن استثمر بالدم، ومن حوّل المدينة إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.

‏الأخطر اليوم ليس الحديث عن اقتراح ترحيل الأسير لخمس سنوات “وأداً للفتنة”، بل الاعتراف الضمني بأن الدولة تخشى تداعيات إطلاق سراحه أكثر مما تخشى الظلم نفسه.

أي دولة هذه التي ترتعب من ملف قضائي؟ وأي قضاء هذا الذي يُدار وفق حسابات الشارع والسلاح والتوازنات، لا وفق القانون؟
‏في لبنان، المشكلة ليست في رجل واحد اسمه أحمد الأسير، بل في منظومة كاملة تريد إبقاء الطائفة السنية تحت سقف الخوف والاتهام الجماعي.

عشرات الشبان اعتُقلوا منذ سنوات طويلة، بعضهم بلا أحكام واضحة، وبعضهم تحوّل إلى رقم منسيّ في زنازين الإهمال القضائي.

وعندما يُفتح ملف العفو العام، تبدأ لعبة الفرز الطائفي: هذا “مقاوم”، وهذا “متشدّد”، هذا يُمنح فرصة جديدة، وهذا يُدفن حيّاً في السجن كي تبقى الرسالة السياسية قائمة.

‏هم لا يريدون عفواً عاماً… هم يريدون عفواً انتقائياً يحفظ توازن الرعب.

‏ولهذا تحديداً، يبدو اسم أحمد الأسير مرعباً لهم. ليس لأن الرجل يملك قوة عسكرية اليوم، بل لأن خروجه سيكسر روايةً كاملة بُنيت منذ سنوات.

سيُسقط صورة “المنتصر المطلق” الذي لا يُهزم، ويكشف أن الدولة التي رفعت شعار السيادة كانت عاجزة عن قول كلمة واحدة خارج إرادة محور الممانعة.

‏حتى الآن، لم يتغيّر شيء فعلياً. السطوة نفسها ما زالت تحكم. القرار نفسه ما زال مُصادَراً.

والخطاب نفسه يُعاد تدويره: شراء وقت، انتظار متغيّرات الخارج، وربط لبنان بمفاوضات تمتد من طهران إلى بيروت.

أما اللبناني؟ فمطلوب منه فقط أن يصفّق للصمود الوهمي بينما الدولة تتآكل، والمؤسسات تنهار، والطوائف تُدفع نحو مزيد من الاحتقان.

وعندما يسألون: لماذا يغضب الشارع السنّي؟
فالجواب بسيط: لأن الناس ترى بأعينها أن العدالة في لبنان لا تُقاس بالقانون… بل بميزان القوة.

المصدر بيروت نيوز