توقيع إلكتروني على رأس “علي الطّاهر”

beirut News15 يونيو 2026
توقيع إلكتروني على رأس “علي الطّاهر”
د. ميشال الشماعي
د. ميشال الشماعي

كتب ميشال الشماعي في “بوابة بيروت” من آخر إبداعات الجولات التّفاوضيّة الأميركيّة – الإيرانيّة هي التوقيع الإلكتروني على مذكّرة تفاهم مفترض أن تكون بنودها متجانسة بين طرفيها لتشكّل خارطة الطّريق إلى اتّفاق السلام المزعوم بينهما. لكن على ما يبدو كما أشرنا في افتتاحيّاتنا السابقة، أنّها مذكّرة تفاهم لعدم التّفاهم حيث ذكرت معلومات إعلاميّة بأنّ الجانب الإيراني رفض التّوقيع عليها يوم الأحد لأنّه يصادف عيد ميلاد الرّئيس الأميركي الثمانين خشية من أن يستثمرها الأخير إعلاميًّا. فهل يعني التأجيل والمماطلة تسويفًا تمهيدًا للتطيير؟ وهل باعت إيران رأس ” علي الطّاهر” في النّبطيّة في محاولة منها للنّفاد بمفاوضاتها النّوويّة؟

لا يمكن لأحد الحديث عن تلّة علي الطّاهر إذا لا يعرف طبيعة هذه التلّة الجغرافيّة، ومدى فعاليّتها استراتيجيًّا. والأهم ماذا يعني السيطرة على مدينة النّبطيّة بالنّار؟ لأنّه على ما يبدو أنّ الإسرائيلي يعتمد سياسة العبور وليس الإحتلال، مع إنّها احتلال وpro max أيضًا، لكن هذه الطّريقة تخفّف الوطأة وتبعدالاسرائيلي عن خطر المنازلة من النّقطة صفر، وتقلّل من خسارته الميدانيّة إذ يبقى مهيمنًا على الأجواء ليحفظ تقدّمه على الأرض.

فيما الضامن الإيراني يبدو أنّه باع رأس علي الطّاهر، لا بل الجنوب بأكمله، وبوجه أدقّ، الورقة اللبنانيّة بالكامل ليحقّق مكسبًا مفاوضاتيًّا. لكنّه يحاول بين الفينة والأخرى أن يشهر هذه الورقة بوجه الأميركي من خلال تهديده إسرائيل. إلّا أنّ اليوم، وبالعودة إلى جغرافيا الأمر الواقع، يبدو أنّ منطقة قرى صيدا، او ما يعرف بمنطقة الزّهراني هي أضحت نقطة انطلاق صواريخ منظّمة حزب الله. مع الملاحظة بأنّ هامش الأخطاء في الإطلاق بات كبيرًا جدًّا، إذ تسقط الصواريخ في بعض القرى في المنطقة عينها.

إن دلّ ذلك على شيء فهو يشير إلى مسألتين اثنتين:

الأولى: لقد فقدت منظّمة حزب الله المخزون البعيد المدى، وهي تستعمل آخر ما تبقّى لديها من مخزون قصير المدى، بحجّة استهداف التّجمّعات الإسرائيليّة ضمن الأراضي اللبنانيّة. فتكون هكذا قد احتفظت لنفسها بحقيقة عدم خرقها لوقف إطلاق النّار، من حيث عدم استهدافها لشمال إسرائيل. ولا سيّما أنّ المعادلة التي فرضها الإسرائيلي اليوم باتت أمن شمال إسرائيل مقابل تدمير الضاحية.

الثانية: وهذه الفرضيّة ترجّحها بعض مصادر أهالي تلك المنطقة بالذات، إذ تعتبر المصادر أنّ حزب الله بعدما فقد قادته من النّخب الذين تدرّبوا في إيران وغيرها على كيفيّة استعمال المنظومات الصاروخيّة، ها هو اليوم يستعمل الأجيال الجديدة، العديمة الخبرة في كيفيّة إطلاق الصواريخ.

إضافة إلى ذلك، إنّ الأجواء اللبنانيّة باتت محكمة السيطرة من خلال المسيّرات التي سرعان ما ترصد مطلقي الصواريخ الذين يفرّون على الدّراجات النّاريّة، تاركين خلفهم المنصّات الهزيلة على سيّارات pic ups، فتغير عليها الطّائرات وتستهدف الفارّين على الدّرّاجات.

والمؤسف في ذلك، أنّ هؤلاء يستعملون تخومالقرى المسيحيّة بوجه التّحديد، وهذا ما يفسّر سقوط بعض الصواريخ الفاشلة فيها. لأنّ بعضهم عندما قرّر استعمال القرى الشيعيّة شهدنا الإشكال الذي حصل في بلدة البيسريّة بين شباب منظّمة حزب الله وشباب حركة أمل، حيث رفض الحركيّون استعمال قريتهم الآمنة لإطلاق الصواريخ. ولكن سرعان ما سقطت هذه المعادلات كلّها إذ لا يعير شباب الحزب أي اهمّيّة لأيّ قرية مهما كانت طبيعة تكوينها السّكّاني. وهذا ما علّل الإنذارات الإسرائيليّة لكلّ قرى جنوب نهر الزّهراني.

وبالعودة إلى جغرافيا النّبطيّة من بوابة علي الطّاهر، فيبدو أنّ الإسرائيلي عازم على ضرب كلّ منطقة فيها تواجد لمنظّمة حزب الله. إذ تبدو النّبطيّة مدخلًا إلى قرى إقليم التّفّاح ومن ثمّ إلى قرى جبل الرّيحان وصولًا إلى تومات نيحا. وهكذا يكون قد تمّ القضاء على كلّ تواجد في الجنوب اللبناني، ربطًا بإقفال طريق الإمداد من البقاع.

ولمَن يعرف الجغرافيا الجنوبيّة جيّدًا، هكذا يكون الإسرائيلي قد جهّز الأرضيّة للوصول إلى الساحل حيث الثقل الموجود في بلدة ” حارة صيدا” والامتداد إلى مخيّم عين الحلوة من ناحية؛ ومن ناحية ثانية تكون طريق الساحل باتّجاه الضاحية أصبحت سالكة وخالية من أيّ تواجد مسلّح وصديق لمنظّمة حزب الله.

أمّا من لا زال مصرًّا على قراءة الأحداث من بوّابة التّاريخ، ولم يقرأ السيناريو من بوّابة الجغرافيا فالخشية أن يستفيق يومًا والعلم الأزرق يرفرف فوق ما تبقّى من مناطق كانت حرّة بفضل وجود الدّولة فيها؛ ونتيجة لتعنّته ورفضه استلام الدّولة زمام مبادرة الحرب والسلم، خسر الدّولة وخسر مناطقه التي كانت آمنة، ومَن يعرف إن قد يخسر حقّه في الوجود حتّى!

أمامنا أسبوع حاسم ميدانيًّا قبل الوصول إلى جلسة 22 القادم، خلاله سترتفع أسهم الإسرائيلي أكثر من خلال الميدان. وحدها الدّولة اللبنانيّة، بمؤسّساتها الشرعيّة وبمسارها التّفاوضي، قادرة أن توقف المناورة على رأس ” علي الطّاهر”، وقادرة أن تحدّ من الخسارة اللبنانيّة التي فرضها رهن رأس منظّمة حزب الله لإيران المفاوِضَة على رأس “علي الطّاهر”.

الدّولة اللبنانيّة لم ولن توقّع أبدًا على رأس “علي الطّاهر”. فيما يبدو أنّ منظّمة حزب الله قد وقّعت، وإيران باعت، وإسرائيل اشترت من الولايات المتّحدة بأبخس الأثمان . هذه سخرية الميدان الذي لطالما أتحفونا بسيطرتهم عليه وتفوّقهم فيه !

المصدر بوابة بيروت