
تداول بعض الناشطين مقالًا وُزِّع عبر مجموعات الواتساب، يتحدث عن تحرك عدد ممن وصفهم بـ«كبار العلماء» لمقاضاة مفتي الجمهورية اللبنانية بصفته متوليًا لوقف العلماء المسلمين، ويتهم المفتي بإهمال الوقف و«التصرف بمداخيله بغير حق». كما تحدث المنشور عن زيارة مزمعة لرئيس الحكومة، وهدد باللجوء إلى الأزهر والمجامع الفقهية والسفارات إذا رُدَّت الدعوى!
ودعك من أن المنشور لا يقدم حسابًا ولا رقمًا ولا مستندًا، ولا يبيّن طبيعة الإهمال أو العقارات المهملة؛ فالأهم أنه أدان المتولي، أي مفتي الجمهورية قبل إقامة الدعوى، إن كانت ستُقام فعلًا، وعرَّج في طريقه إلى رئاسة المحاكم الشرعية السنية في لبنان!
لا يمكن للمراقب لأوضاع دار الفتوى أن يرى الهجوم على مفتي الجمهورية ورئاسة المحاكم الشرعية في هذا المنشور إلا حلقةً ضمن مسلسل الترويج لمرشح يطمح إلى الوصول إلى سدة الإفتاء، معتمدًا مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة». وهذه الحملة، بالتوصيف الأدق، جعلت كل تفصيل في دار الفتوى معركةً على «المفتي المقبل»: فمرة يُصوَّر المفتي عقبة، ومرة يصبح انتداب قاضٍ شرعي «تعيينًا مشبوهًا»، ومرة تُقدَّم رئاسة المحاكم كجهة يُتوقع منها رد الدعوى غير الموجودة أصلًا! فقط للتشكيك بنزاهتها أما الرأي العام .
وفي الخلفية لا يبقى سوى مرشح وحيد الذي يجري تلميعه؛ فمرة يُقدَّم بوصفه محاصرًا، ومرة مظلومًا، ومرة وريثًا طبيعيًا ينتظر فقط أن يتسلّم مفاتيح الدار!
هنا يعتمد الترويج مبدأ إسقاط كل من حول المرشح الطامح؛ فالمفتي متهم، ورئاسة المحاكم موضع شك، والقضاة الشرعيون جزء من المؤامرة، فلا يبقى في الميدان إلا جُعَيدان، الذي يُقدَّم لاحقًا بوصفه الحل.
لا يعنينا من كتب المنشور، وإنما الوظيفة التي يؤديها: إضعاف المفتي، وإدانة رئاسة المحاكم الشرعية، وتهشيم صورة القضاة الشرعيين، ثم الوقوف عند أبواب الأزهر والسفارات للإيحاء بوجود غطاء شرعي وحضن سياسي لهذه الحملة المشبوهة.
إن كان الموضوع قضية وقف، فالمكان هو المحكمة والمادة هي المحاسبة.
أما التهديد بالأزهر، فيُظهر أن الكاتب ظن أن الدعوى إذا رُدَّت في بيروت تُستأنف في القاهرة! جاهلًا أن القضاء الشرعي جزء من تنظيمات الدولة القضائية، وأن أحكامها تُراجع أمام المحكمة الشرعية السنية العليا، وفي الحالات التي يجيزها القانون أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز، لا أمام شيخ الأزهر ولا السفارات.
ولعلّه خلطها بالمحاكم الكنسية الكاثوليكية وتدرّجها إلى روما، فقرّر إرسال طعنه إلى العنوان الخاطئ.










