كتاب مفتوح إلى الأرشمندريت موريس إيفيدوريوس الثالث عشر

beirut News9 أكتوبر 2026
كتاب مفتوح إلى الأرشمندريت موريس إيفيدوريوس الثالث عشر
جوزيف غ
جوزيف غ

يا أبانا موريس، سلامٌ على من امتحن شهادته قبل أن يعظ الرعية، وفتّش ضميره قبل أن يفتح للآخرين دفتر الخطايا.

بلغتنا رسالتكم في أسباب التمسّك بكرسي الزعامة، وقرأنا كيف استدعيتم طرفًا “محايدًا تمامًا”، وزوّدتموه بما يُكتب ويُنشر ويُقال، وحجبتم عنه اسم المعنيّ ومنصبه ومؤسسته، ثم أطلعتم الرعية على جوابه.

غير أنّ هذا الشاهد المبارك بقي بلا اسم، والسؤال بقي وراء الحجاب، والمواد التي اطّلع عليها بقيت في خزانتكم. فأصبح علينا أن نؤمن بحياده اعتمادًا على شهادتكم أنتم. يا أبانا، هذا يصلح لطلب الثقة، لكنه لا يكفي لإقامة الحجّة.

لقد أخفيتم اسم صاحب الكرسي، فهل أخفيتم موقفكم منه؟ وهل عرضتم على شاهدكم ما يحتجّ به الرجل لنفسه،

أم ما يحتجّ به خصومه عليه؟ إنّ حذف الاسم من ورقة الاتهام لا يحوّلها إلى شهادة إنصاف، كما أنّ إطفاء شمعة فوق المنبر لا يجعل الواعظ غير مرئيّ.

وفي سفر الأمثال: “الأول في دعواه محق، فيأتي رفيقه ويفحصه” [أمثال ١٨: ١٧].

فأين الرفيق الذي يفحص، يا أبانا؟ أين الرواية الأخرى؟ لقد سمعنا صوتكم في تقديم الشاهد، ثم سمعنا الشاهد من خلالكم، وبقي الطرف الآخر خارج باب الدير. إنّ للصدى فضيلة إعادة الصوت، لكنه لا يملك فضيلة الاستقلال عن صاحبه.

ولنتذكّر نيقوديموس حين سأل: “ألعل ناموسنا يدين إنسانًا لم يسمع منه أولًا ويعرف ماذا فعل؟” [يوحنا ٧: ٥١]. لم يطلب الرجل تطويب أحد، ولا إعفاءه من المساءلة؛ طلب أن يُسمع قبل أن يُدان.

فهل يتّسع مجلسكم لهذا السؤال، أم يُدرَج صاحبه فورًا في جوقة المصفّقين؟ إن كان كلّ من يعترض على الاتهام من الحاشية، فقد أغلقتم باب الشهادة، ثم تعجّبتم من إجماع الحاضرين.

يا أبانا موريس، حين يصبح الحديث عن الإصلاح ذريعةً، والتأييد مصلحةً، والاستمرار خوفًا، يكون من حقّ الرعية أن تسأل: ما الذي يمكن أن يفعله الرجل فتقبلوا احتمال صدقه؟ إن كانت كلّ إجابة ستُضاف إلى سجلّ خطاياه، فما حاجتكم إلى استجوابه أصلًا؟ لقد سبق الحكمُ الاعترافَ، ولم يبقَ للمتهم سوى اختيار العبارة التي ستدينونه بها.

ثم إنّ فحص التعلّق بالكراسي باب واسع، فلا تُضيّقوه على الجالسين وحدهم.

يروي إنجيل مرقس طلب يعقوب ويوحنا أن يجلسا، أحدهما عن اليمين والآخر عن اليسار، ثم يأتي التعليم بأنّ العظمة في الخدمة [مرقس ١٠: ٣٥–٤٤].

والمعنى جدير بالتأمّل: شهوة المقعد قد تسكن الواقف أيضًا.

فليس كلّ منتظر عند الباب زاهدًا في الدخول، ولا كلّ واعظ في فضائل المغادرة قد نذر على نفسه ألّا يقيم.

وهذا ميزان ينبغي أن يشمل الجميع، من غير أن نحكم به على سريرة أحد.

وفي مثل الفريسي والعشّار، وقف الأول يعدد فضائله ويميّز نفسه عن سائر الناس، فيما وقف الآخر يقرع صدره طالبًا الرحمة [لوقا ١٨: ٩–١٤].

وما أحوج خطاب الإصلاح إلى هذه الوقفة! فمن السهل أن يؤلّف المرء عظةً كاملة في توبة جاره، ثم يغادر الكنيسة مطمئنًّا إلى أنّ الفحص لم يشمله. وأخشى على عظتكم أن تجعل الرعية فريقين: خطاةً حول الكرسي، وأبرارًا يعارضونه؛ كأنّ الموقف من صاحب المنصب صار شهادة براءة للضمير.

أما حديثكم عن الاستعانة بمن هم خارج الطائفة، فيحتاج إلى تمييز لا إلى تبخير.

متى يكون التواصل شراكةً وطنية، ومتى يصبح ارتهانًا؟ ما الفعل الذي وقع، وما المقابل الذي دُفع، وما القرار الذي خضع للمساومة؟ هذه أسئلة تُجاب بالوقائع.

أمّا أن تُرسم صورة عامة للتابع والوكيل، ثم يُترك للقارئ أن يُلبسها لمن يشاء، فذلك يوسّع باب الإيحاء ويُبقي باب الإثبات موصدًا.

ولكم أن تنتقدوا الإدارة، وأن تطالبوا بالمحاسبة، وأن تسألوا عن الإصلاح وموعده وثمره.

لكنّ نقد الأعمال يقتضي عرض الأعمال، والحكم على الدوافع يقتضي علمًا لا تمنحه حدّة الخصومة. ولعلّ وصية القذى والخشبة تصلح هنا لفحص المنهج قبل فحص الآخرين [متى ٧: ٣–٥]: هل نطبّق على حلفائنا الميزان نفسه الذي نرفعه فوق رؤوس خصومنا؟

لذلك، يا أبانا موريس، افتحوا للرعية ما أغلقتموه: انشروا السؤال كاملًا، والمواد التي قدّمتموها، وعرّفوا بالشاهد وحدود معرفته.

عندئذٍ نستطيع مناقشة شهادته، ويستطيع هو أن يتحمّل مسؤولية قوله، وتستطيعون أن تعرضوا حجّتكم من دون أن تطلبوا منّا التسليم المسبق ببركتها.

وإلى أن تفعلوا، هوّنوا علينا قرع الأجراس؛ فالجرس يُسمِع الرعية، لكنه لا يُقيم البيّنة. وقبل العظة المقبلة في إخلاء الكراسي، ضعوا كرسيّ الواعظ نفسه تحت نور الفحص.

فمن أراد أن يسمع اعترافات الجميع، فليبدأ باعتراف صغير: “هذه هي المعلومات التي قدّمتُها إلى الطرف المحايد، وهذا هو السؤال الذي طرحتُه عليه”.

عندها يبدأ الحياد، يا أبانا.
أمّا قبل ذلك، فأنتم صاحب الدعوى، وشاهدكم لا نعرفه إلا من تزكيتكم.

الأباتي جوزيف غ

المصدر بيروت نيوز