قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: كيف تعرف الطامع في المُلك وهو يزعم أنه لا يريد إلا صلاح الرعية؟ قال بيدبا: انظر إليه حين تضطرب المملكة؛ فإن شغله موضعه من النجاة أكثر من نجاتها، عرفتَ ما يريد. قال: اضرب لي مثلًا. قال: زعموا أن أسدًا أصابته حمّى، فلزم عرينه أيامًا، فما شاع مرضه حتى كثر في الغابة من يحسن وصف الداء، وقلّ من يسأل عن الدواء.
وكان الحمار والثعلب والطاووس قد أعلنوا معارضتهم لحكم الأسد، فلما مرض، أخذ كلٌّ منهم ناحيةً من الغابة يحدّث أهلها عمّا ينتظرهم من البلاء. وكان حديثه يطول في وصف الخطر، حتى إذا رأى الخوف في أعينهم، ذكر ما عنده من حسن التدبير.
فالحمار يزعم أن المعاملات ستتعطّل، ويذكّرهم بخبرته في الديوان؛ والثعلب يحذّر من ضياع الأرزاق، ويُحصي لهم معرفته بالمخازن؛ والطاووس ينذر بتفرّق المجلس، ويشرح كيف يجمعه بإشارة. وكلّما اقترح أحدهم الاستعانة بغيره، وجد في المقترَح عيبًا لم يكن قد ذكره من قبل.
وكان أشقّ الأخبار عليهم أن الغابة أمضت يومًا هادئًا؛ فلا معاملة تعطّلت، ولا مخزن أُغلق، ولا مجلس تفرّق. عندئذٍ يقول كلٌّ منهم لأصحابه: «إنكم لا تعلمون ما أبذله في الخفاء».
أما الحمار، فقد كان حَكَمًا في الغابة ثم تقاعد، وكان قبل ذلك قد تولّى ديوانها؛ فكان القندس يدرس الطلبات وينجز المعاملات، ثم يحملها إليه، فلا يزيد على أن يضع عليها حافره، فتخرج مختومة. فلما مرض الأسد، جعل يحدّث الحيوانات عن خبرته الطويلة بالحكم، ويقول: «ما مرّ أمر عظيم إلا كان لي فيه أثر». وكان صادقًا في الأثر؛ فقد كانت طبعة حافره أسفل كل لوح.
وذات مساء، دعا القندس وقال: «اكتب رسالة في صفات الملك الصالح». فسأله: «وما صفاته؟» قال: «أن يكون طويل الاحتمال، عظيم الأذنين، خبيرًا بحمل الأثقال». قال القندس: «والرأي؟» قال: «له أعوان». قال: «والنظر في شؤون الرعية؟» قال: «له كتّاب». قال: «فما الذي يبقى له؟» فرفع الحمار حافره وقال: «أراك تنسى موضع الختم».
وأما الثعلب، فكان لا يدخل مجلسًا إلا حدّث أهله عن الأمانة. وقد عرف مخازن الغابة ومداخلها، وتقلّب في خدمتها حتى صار لكل جماعة عنده حديث يرضيها. فإذا جلس إلى الذئاب، امتدح قوّة الناب؛ وإذا لقي الأرانب، رقّ قلبه لضعفها؛ وإذا مرّ بالطيور، قال إن خلاص المملكة في التحليق فوق الخصومات.
واتخذ لنفسه مجلسًا قرب الماء، وراح يصف الملك المنشود: يقظًا، خفيف الحركة، واسع الحيلة، لا تقيّده صحبة قديمة. قال له الهدهد: «ما أعجب هذا الوصف! كلما زدت فيه خصلة، ازداد شبهًا بك». فقال: «أذنبٌ لي أن تجتمع فيّ حاجة الغابة؟» قال: «فلننظر في عملك القديم». فأجابه: «إنما أتيت لأفتح صفحة جديدة». قال: «وهل نزعتَ الصفحة القديمة من دفاترك، أم من ذاكرة الغابة؟»
وأما الطاووس، فكان عضوًا في مجلس الغابة، غير أنه إذا روى أخباره حسب السامع أن المجلس ريشة في ذيله. يقول: «أنا جمعتهم، وأنا فرّقتهم، وأنا أشرت فتوقفوا». وقد اختلف الأعضاء مرة في موعد اجتماع، فزعم أنه أراد اختبار طاعتهم. فلما اجتمعوا من دونه، قال إنه آثر إدارة الأمر من بعيد.
سأله الهدهد: «أتطمع في خلافة الأسد؟» فضمّ ريشه وقال: «للغابة أصول؛ يسمّي أحد أهل المجلس من يراه، ويوافقه اثنان». قال الهدهد: «سألتك عمّا تريد، لا عمّا يفعل المجلس». فقال الطاووس: «إن خبرتي معروفة». قال: «لم أسألك عن خبرتك». فقال: «وبرنامجي جاهز». فعرف الهدهد أن الجواب الذي يتعذّر إخراجه من فمه قد ملأ حديثه كلّه.
وكان كلٌّ منهم يكره أن يبدو طالبًا للمُلك، فبعث إلى الببغاوات من يلقّنها فضائله. وما لبثت الغابة أن امتلأت بأصوات تنادي بأسمائهم. فكان الحمار يقول: «أثقلني إلحاح الرعية»، والثعلب يقول: «لا أستطيع ردّ حاجتها»، والطاووس يقول: «كنت أعلم أنهم سيعرفون». ولم تختلف الببغاوات إلا حين تأخرت عنها حصص الثمر.
وبينما هم كذلك، جاء الطبيب يقول: «وراء النهر عشب يشفي الأسد، فمن يأتيني به قبل المساء؟» فقال الحمار: «إنما تحتاجون إليّ في التدبير؛ أما العدو إلى الأنهار فله أهله». وقال الثعلب: «قد أكل الهمّ من قوّتي، وأخشى أن أتأخر فيضيع وقت ثمين». وقال الطاووس: «إن غبتُ الآن، اضطرب المجلس؛ فكلّهم ينظر إليّ».
فلما اعتذر الثلاثة، انتدب الظبي نفسه ونهض يعدو. فاعترضه الثعلب وقال: «على رسلك! أتسعى في شفاء من يقتات بلحم قومك؟» وقال الحمار: «إن عادت إليه قوّته، كنت أول النادمين». وقال الطاووس: «دع الأمر لأهل الرأي؛ إننا ندبّر لكم مستقبلًا آمنًا».
فتوقف الظبي وقال: «قد عرفنا ناب الأسد، ولا ننكر ما أصابنا منه. ولكن أيّكم يضمن لنا الأمان إن صار المُلك لغيره؟» فقال الحمار: «كيف أضمن تدبير جاهل؟» وقال الثعلب: «لا تأمنوا من يجهل المخازن». وقال الطاووس: «لن ينقاد المجلس لسواي».
فنظر إليهم الظبي وقال: «ثلاثة منقذين، لا يأتمن أحدهم الآخر على غابة! أمّا أنا، فلا أجعل مرضه سُلّمًا إلى شيء». ثم مضى إلى النهر، وعاد بالعشب قبل المغيب.
فلما أفاق الأسد، دخل عليه الثلاثة يتزاحمون في التهنئة. قال الحمار: «لم أبخل على الديوان بمشورتي»، وقال الثعلب: «طمأنتُ الرعية»، وقال الطاووس: «ولولاي لتفرّق المجلس».
فسأل الأسد الطبيب: «ومن جاء بالدواء؟» قال: «الظبي». فسكت الجميع.









