
القيادة الجماعية لا تمنع الهيمنة
حين أُبعد خروتشوف عن قيادة الاتحاد السوفييتي سنة ١٩٦٤، أُعيد اعتماد “القيادة الجماعية” للحدّ من التفرّد. تعدّد الجالسون حول طاولة القرار، وبقي احتكار الحزب للسلطة وقمع المعارضة. أمكن اقتسام النفوذ داخل الحلقة الحاكمة من دون إنهاء استئثارها؛ فتغيير عدد أصحاب القرار لم يكن كافيًا لتغيير طبيعة الحكم.
تستحق هذه التجربة الدراسة مع بدء الحديث عن تقليص صلاحيات مفتي الجمهورية، وتوزيع أدوات الإدارة على مَن يُفترض أن يؤازروه. فالمجموعة تستطيع احتكار السلطة كما يستطيع الفرد، وقد يتبادل أعضاؤها الحماية بدل أن يراقب أحدهم الآخر. وعندما تُنتزع أدوات القرار من المرجعية، لا يصبح أصحابها الجدد بمنأى عن الاستئثار لمجرّد أنهم يتقاسمونها.
تعيينات تسبق المفتي وتقيّد خلفه
بدأ الحديث عن قائم مقام مؤقت يتولّى إجراء تغييرات تقلّص سلطات المفتي، وعن مفتٍ انتقالي يأتي من خارج الملاك ويعمل لسنوات في ورشة إصلاح تسبق وصول مفتي أصيل. وبين الطرحين تتقدّم فكرة إعطاء المرحلة المؤقتة أثرًا دائمًا: إعادة ترتيب المؤسسة وتحديد حدود المنصب قبل انتخاب صاحبه.
أما ما يُحكى في الصالونات وما يدور في الكواليس، فيضع اسم الشيخ محمد النقري بين الأسماء المطروحة لتولّي المهمة، ويتناول ملء الشواغر من إدارة الأوقاف إلى أمانة السر الخاصة وسائر المواقع المعنية بمعاونة مفتي الجمهورية. وإذا اقترنت هذه التعيينات بإعادة توزيع الصلاحيات، نكون أمام ترتيب تُختار فيه الإدارة وتُحدَّد سلطتها أولًا، ثم يُنتخب المفتي ليعمل ضمن الحدود التي رسمها مَن سبقوه.
فأيّ معنى يبقى للانتخاب إذا سبقته تسوية تحسم أدوات المفتي وفريق عمله؟ قد يغادر القائم مقام، لكن تعييناته والأنظمة التي أُقرّت في عهده تبقى، ويجد المفتي المنتخب نفسه مطالبًا بتحمّل تبعات إدارة لم يخترها، ومعالجة أخطاء لا يملك سلطة كافية لتصحيحها.
من مواجهة قباني إلى الطرح الراهن
لهذا الطرح ذاكرة في الدار. ففي المواجهة بين المفتي محمد رشيد قباني والرئيس فؤاد السنيورة، كانت صلاحيات مفتي الجمهورية من صلب الخلاف. وقد اتهم قباني السنيورة بالسعي إلى تمرير تعديلات تنتقص من سلطته، وربط النزاع بالخلاف على تمديد ولاية المجلس الشرعي وانتخاب مجلس جديد. وحذّر في حديث صحفي وقتها من حصر دور المفتي في استقبال الزوار والتحدث إلى الإعلام وإصدار الفتوى الدينية.
وتزيد المقارنة دلالةً عودة أسماء شاركت في الخصومة السابقة. فالقاضيان الشيخ همام الشعار والشيخ عبد العزيز الشافعي، وهما من المستدعين في الطعن الحالي، كانا بين المدّعين على قباني في قضية وقف العلماء سنة ٢٠١٣. وكان النقري أحد المتولين المؤقتين الذين عيّنتهم المحكمة على الوقف بعد كفّ يد قباني عنه.
وبحسب ما يُروى عن كواليس المواجهة مع قباني، كانت هذه الأسماء تعمل بتوجيه السنيورة. واليوم يمكن قراءة التلاقي بين خطواتها وبين الاتجاه الذي اعترض عليه قباني يومها: تقليص صلاحيات المفتي ونقل القرار إلى مَن حوله. اختلف موضوع الدعويين، لكن العبرة السياسية تبقى بالمشروع الذي تخدمه الأفعال، بصرف النظر عن الانتماءات المعلنة لأصحابها.
الطعن لا يمنح تفويضًا بنقل السلطة
للطعن القضائي موضوعه وأسبابه، ومراجعة القضاء حق مكرَّس، إلا أن الاعتراض على التمديد لا يمنح أي فريق تفويضًا بتحديد مستقبل مقام الإفتاء. يمكن الاختلاف على ولاية المفتي الحالي مع التمسّك بوصول خلفه إلى منصب يحتفظ بقدرته على العمل؛ فصلاحيات المؤسسة لا تُقاس بالرضا عن الشخص الذي يرأسها.
والمواقع المعاونة تُعين المرجعية على القيام بمسؤولياتها، كلٌّ ضمن اختصاصه. أما تحويل شاغليها إلى الحاكمين الفعليين، مع إبقاء المفتي رئيسًا في المراسم ومسؤولًا أمام الناس، فيقلب العلاقة من أساسها. عندها تنقلب المؤازرة إلى وصاية، وينفصل القرار عن المسؤولية. والاعتراض يتناول أصل هذا النقل؛ فلا تعالجه تعهّدات الشفافية وحسن الإدارة.
أما الإصلاح، فله أعمال محدّدة: تدقيق الحسابات، وصيانة الأوقاف، وضبط الإنفاق، وتفعيل التفتيش والمحاسبة. هذه إجراءات تقوّي المؤسسة وتحميها. فكيف صار إضعاف رأسها شرطًا لإصلاحها؟ وكيف يُطلب الاطمئنان إلى مجموعة ستتسلّم أدوات القرار، بينما تُجعل صلاحيات المفتي نفسها موضع ريبة؟
استقلال الدار في مواجهة التهميش
في لبنان، تتجاوز المسألة جدران الدار. ففي بلد تحرص فيه القوى الطائفية على تحصين مواقعها، يمسّ إضعاف المرجعية الدينية قدرة الطائفة على حماية حضورها حين تتفرّق زعاماتها أو ينكفئ ممثلوها. ودار الفتوى المستقلة تستطيع جمع الكلمة والتعبير عن موقف لا يتوقف على رضا رئيس حكومة سابق أو حالي، ولا على حسابات زعيم يسعى إلى استعادة نفوذه.
ولعل تجربة تكليف حسان دياب ليست بعيدة؛ فقد سمّاه ستة نواب سنّة، ولم تؤيّده أكثريتهم، وحُسم التكليف بأصوات قوى أخرى وحلفائها.
أظهرت الواقعة إمكان تجاوز تأييد أكثرية ممثلي الطائفة في استحقاق بهذا الحجم، وأبرزت ضرورة صون مرجعية مستقلة تقف في وجه التهميش. فإذا وُزّع قرارها أيضًا، أصبحت الطائفة أشدّ عرضة للاستفراد بها. فصلاحيات المفتي من مقوّمات استقلال هذا الموقع وقدرته على حماية الحضور والحقوق.
هل يجرؤون على إخراج الطرح إلى العلن؟
ويبقى سؤال يستدعي جوابًا لا يقبل الرمادية: هل يجرؤ أصحاب هذا الطرح على إخراجه إلى العلن، بكل تعييناته وتعديلاته، وبيان الصلاحيات التي يريدون انتزاعها، والجهات التي ستؤول إليها؟ أم يفضّلون إنضاج الترتيبات في الصالونات، ثم تقديمها بوصفها مخرجًا تفرضه الضرورة؟ وقد تكون المفارقة أن يتّفق الجميع على حفظ مقام المفتي، ثم يختلفوا على توزيع حصصهم في سلطته. وحين يصل المفتي المنتخب، لا يجد له غير الاستقبال والتوديع، فيما القرار في مكان آخر.









