
في عام ١٨٧٠، كانت الوحدة الألمانية لم تكتمل بعد. وكان بسمارك، رئيس حكومة بروسيا، يسعى إلى جمع الدول الألمانية تحت قيادتها، ويرى في مواجهة فرنسا فرصةً لحشد دول الجنوب إلى جانبه.
جاءته الفرصة من إسبانيا، حين رُشّح أمير من أسرة هوهنتسولرن، التي تحكم بروسيا، لعرشها. خشيت فرنسا أن تجد نفسها بين عرشين مرتبطين بالأسرة نفسها، فاعترضت حتى سُحب الترشيح. ثم طلبت ضمانة بألّا يتجدّد مستقبلًا.
قابل السفير الفرنسي ملك بروسيا في مدينة إمس، وطلب منه هذا التعهّد. رفض الملك إلزام نفسه إلى الأبد. وبعد وصول التأكيد الرسمي لسحب الترشيح، أبلغ السفير بواسطة مساعده أن لا جديد لديه يستدعي لقاءً آخر.
وصلت التفاصيل إلى بسمارك في برقية. اختصرها للنشر، وحذف تفاصيل الحديث السابق وأسباب عدم الحاجة إلى لقاء آخر. فبدا الأمر مهينًا للفرنسيين، كأنّ سفيرهم طُرد، ومستفزًّا للألمان، كأنّ السفير الفرنسي يريد أن يُملي على ملكهم ما يفعل. وبعد أيام أعلنت فرنسا الحرب. والتحقت دول الجنوب ببروسيا، ثم أُعلنت الإمبراطورية الألمانية في العام التالي.
بسمارك كانت لديه برقية. أما صاحب الخبر المعنون: طرد رؤساء الحكومات من المجلس الشرعي؟ فيعمل بإمكانات أقلّ: مرجعٌ روى أن شخصًا نقل إليه أن محاميًا اقترح. تحتاج إلى المرور بهؤلاء جميعًا دون أن تعرف واحدًا منهم.
رجال السند كلّه مقنعون؛ تستطيع أن تضع مكانهم حلّاقًا يروي عن شوفير تاكسي، نقلًا عن بائع خضار، ولن تضطرّ إلى تغيير شيء في الخبر. حتى ضحكة المرجع يمكنك إبقاؤها؛ لا يُستبعد أن يكون بائع الخضار قد ضحك أيضًا.
والمصدر: كتاب روايات المجاهيل في صناعة الأباطيل.
ولا يعرض الخبر مذكرةً مقدَّمة يمكن مراجعتها. الرواة جميعًا محميّون من السؤال، أما المفتي، فيُترك للقارئ أن يفهم الحكاية بوصفها تدبيرًا من فريقه. لا تعرف مَن أخبرك، لكنك تعرف على مَن يُراد لك أن تغضب.
ثم تأتي كلمة وبالتالي.
يا لثقة هذه الكلمة بنفسها! عبرت سلسلة الرواة من دون أن تسأل أحدًا عن اسمه، وخرجت تقرّر أن رؤساء الحكومات يفقدون عضويتهم ولا يُحتسبون في النصاب. ما زال الاقتراح منقولًا عن شخص، لكن نتيجته صارت واقفةً على قدميها.
ولزيادة الاطمئنان، ينقل الخبر تهكّم المرجع على أصحاب التعديل. لا نعرف كيف تحقّق من الرواية، لكننا نعرف أنه وجدها مضحكة. وهكذا حصلنا على موقفه من الخبر قبل أن نحصل على ما يثبت الخبر نفسه.
أما رؤساء الحكومات، فقد أُنجزت لهم الخدمة كاملة: حُدّد من يريد إقصاءهم، ووُضعت الإهانة في العنوان، ولم يبقَ سوى أن يغضبوا.
كان بسمارك يريد أن يجمع دولًا ألمانية متفرّقة. أما هذا الخبر فيضع بين أيدي المجتمعين في مجلس واحد سببًا صالحًا للتفرّق.
فإذا اتصل أحدهم بالمفتي وقال: ما هذا الكلام؟ أمكن نشر خبر جديد عن اتصالات لاحتواء خلاف.
ويكون المصدر هذه المرّة اتصالًا حقيقيًّا.










