ليست بغداد مجرد مدينة وُلدت على ضفاف دجلة، بل هي نغمة ممتدة في الذاكرة الموسيقية العربية، حيث التقت الحروف بالنغم، والقصيدة بالوتر، والعقل بالروح. ففيها ازدهرت الفنون، ومنها انطلقت آلة العود لتصبح صوتًا للشرق بأكمله. بغداد لم تكن يومًا متلقية للفن، بل كانت صانعة له، وورشةً كبرى لإبداعٍ ما زال صداه يتردد في كل لحنٍ عربي أصيل.
يتحدث الفنان منار الأمير عن علاقته بالعود بوصفه امتدادًا لذاكرة المدينة، فيقول: “حين ألمس أوتار العود أشعر أن بغداد تتكلم من خلالي. هذا الخشب الذي صُنع في أرضها يحمل شيئًا من صبرها وحنينها، وكل نغمة تخرج منه تشبهها في قوتها وضعفها، في حزنها وفي كبريائها.”
منذ العصر العباسي، تحوّلت بغداد إلى عاصمة للموسيقى والعلم، حيث امتزجت الثقافة العربية بالفارسية واليونانية، وانفتح الأفق الفني على تجارب غير مسبوقة. في تلك البيئة الزاخرة بالعلماء والشعراء والفلاسفة، وُلد العود بشكله الناضج الذي نعرفه اليوم. كان العود قبلها أداة بسيطة، محدودة الإمكانات، لكن الحرفيين والموسيقيين البغداديين صاغوه من جديد، فأضافوا إليه وترًا خامسًا، وعدّلوا في جسده الخشبي ليمنح صوتًا أكثر دفئًا واتساعًا. ومن هنا بدأ تحوّله من آلة محلية إلى أيقونة موسيقية عربية.
في بغداد أيضًا ظهر زرياب، الموسيقي الذي غيّر وجه الموسيقى العربية، فجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، وأسّس أول مدرسة موسيقية تعتمد على نظام المقامات والتعليم المنهجي. حمل زرياب العود معه إلى الأندلس، وهناك زرع البذرة الأولى للموسيقى الأندلسية التي ستنتشر لاحقًا في أوروبا، وتتحول إلى أنغامٍ جديدة مثل “اللوت” و“القيثار”. وهكذا، امتدّ الصوت البغدادي إلى الغرب، حتى صار للعود أكثر من لهجة، لكنه احتفظ بلهجة بغداد الأصلية، الدافئة والعميقة.
يرى منار الأمير أن العود في الثقافة البغدادية لم يكن مجرد آلةٍ تُعزف، بل كان جزءًا من فلسفة المدينة نفسها. “بغداد،” يقول الأمير، “عرفت المنطق والكلام والفلسفة، لكنها عرفت أيضًا أن الموسيقى وجه آخر للفكر. كانت المجالس العباسية تجمع بين الشعر والموسيقى والنقاش الفلسفي، لذلك اكتسب العود عندنا هيبته الفكرية قبل أن يكون أداةً جمالية.”
الخشب الذي يُصنع منه العود كان يُختار من أجود أنواع الأشجار في العراق، وكأن المدينة أرادت أن تضع شيئًا من طبيعتها في آلةٍ ستنطق باسمها. حتى اليوم، يُعرف العود العراقي بصوته المختلف: قويّ، صافٍ، وحزين في الوقت ذاته، وكأنه يحمل بين أوتاره ذاكرة المدن المدمَّرة والأحلام التي لا تموت. لا يمكن سماع عودٍ بغدادي دون أن يشعر المستمع بأن ثمة حكاية تُروى بصمت، وأن خلف كل نغمة ظلّ شاعر أو فيلسوف أو عاشق مرّ من هناك.
لقد مثّل العود البغدادي هويةً فنيةً متكاملة، إذ استطاع أن يجمع بين الأصالة والابتكار. ففي حين حافظ على المقامات الشرقية التقليدية، فقد كان أيضًا منفتحًا على التجريب. الموسيقيون العراقيون لم يكتفوا بتكرار الماضي، بل أعادوا صياغته بلغة العصر. ويكفي أن نذكر أسماءً مثل جميل بشير ومنير بشير ونصير شمة، لندرك أن بغداد ما زالت قادرة على إنجاب مبدعين يواصلون السلسلة التي بدأت منذ قرون.
يختم الفنان منار الأمير حديثه بالقول:
“العود ليس مجرد آلة، إنه بغداد مصغّرة… فيه الحنين والذكاء والجرأة. حين أعزف، أشعر أني أعيد إليها صوتها الذي حاولت الحروب أن تسكته، لكن النغمة دائمًا أقوى من الصمت. الفن في بغداد لم يكن يومًا ترفًا، بل شكلًا من أشكال البقاء.”
وهكذا، يبقى العود البغدادي شاهدًا على أن الحضارة لا تُقاس بعدد المباني ولا بسطوة السلاطين، بل بقدرة الإنسان على تحويل الخشب إلى نغم، والألم إلى لحنٍ خالد. فكما كانت بغداد مهدًا للعلم والفكر، كانت أيضًا مهدًا للموسيقى التي علّمت العالم أن الروح الشرقية تعرف أن تُغني حتى في قلب العاصفة.












