ذكر موقع “Middle East Eye” البريطاني أنه “بالنظر إلى الأهداف المتغيرة باستمرار للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي تتراوح بين إثارة الاضطرابات الداخلية وتغيير النظام، إلى تفكيك البرنامج النووي المدني الإيراني، والقضاء على قدراتها الصاروخية، وفتح مضيق هرمز دون قيد أو شرط، فمن الواضح أنه لم يتم تحقيق أي منها؛ بل على العكس، فشلت الحملة إلى حد كبير”.
وبحسب الموقع: “تمكنت إيران، على الرغم من تكبدها خسائر فادحة في صفوف المدنيين واغتيال قيادات الصف الأول والثاني، من الحفاظ على سلطتها الحاكمة بل وتعزيزها. كما وشنت حملة غير متكافئة متواصلة ومتصاعدة تدريجياً، وضغطت على المنطقة بأسرها، وأظهرت قدرتها على تعطيل إمدادات الطاقة العالمية من خلال فرض سيطرتها على مضيق هرمز. ونظراً لإعلان الولايات المتحدة وقف إطلاق النار دون أي مفاوضات مسبقة ظاهرة مع إيران، يمكن تفسير هذه العوامل على أنها انتصار إيراني. أما كيف سيقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه النتيجة على أنها انتصار، فمن الصعب فهم ذلك”.
وتابع الموقع: “تندرج أفعال ترامب ضمن نمط أوسع من التهديدات الفارغة، والاستراتيجيات المتغيرة، والخطاب التحريضي، والخطاب المتطرف، بما في ذلك الإشارات إلى محو الحضارة الإيرانية. وتقود الولايات المتحدة اليوم مجموعة من الشخصيات، معظمها غير خبيرة، ذات نزعة ذكورية مفرطة، تسعى للحفاظ على مكانتها العالمية المتراجعة. وبذلك، تخاطر هذه الشخصيات بمزيد من إضعاف مكانتها، بينما تُقوّي، دون قصد، خصومها المعلنين. هذا لا يعني أن ترامب غير ذكي أو غير مدرك لأفعاله؛ بل يبدو أنه يدرك بشكل صحيح أن الولايات المتحدة قوة متراجعة تواجه منافسة متزايدة، لا سيما من الصين. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تصرفت الولايات المتحدة كقوة عالمية عدوانية وتدخلية، مستخدمةً في كثير من الأحيان وسائل علنية وسرية لفرض نفوذها، متجاهلةً في أغلب الأحيان القانون الدولي. وما نشهده اليوم ليس بجديد؛ فقد كانت أنماط مماثلة واضحة في الشرق الأوسط لعقود. ولم يبدأ الأوروبيون في إدراك هذه الديناميكيات على أنها تهديد إلا مؤخراً، مع امتداد الضغط نحو أوروبا في حين تم التسامح معها لفترة طويلة عند تطبيقها في أماكن أخرى”.
تغير التصورات
وبحسب الموقع: “في هذا السياق، يبدو أن أجندة ترامب الأوسع للحفاظ على الهيمنة العالمية تشمل إعادة توطين صناعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والسيطرة عليها، وتأمين الوصول إلى موارد الطاقة والعناصر الأرضية النادرة، ووضع الولايات المتحدة كمصدر عالمي رائد وحكم رئيسي لتدفقات النفط والغاز التي تهيمن على طرق الشحن والتجارة الرئيسية، وتقليل الالتزامات تجاه أوروبا، وتقريب روسيا من الولايات المتحدة وإبعادها عن الصين، ومنح إسرائيل سيطرة أكبر في الشرق الأوسط لتقليل التكاليف الأميركية في المنطقة. إلا أن هذه الاستراتيجية تُقوَّض بسبب نهج عدواني وأناني مفرط، مما يُصعِّب تنفيذها بفعالية. ونتيجةً لذلك، ادى العديد من تصرفات ترامب الى نتائج عكسية، مُلحقا ضرراً بالغاً بموقفه وأهدافه الاستراتيجية الأوسع. وقد ترتبت على ذلك أيضاً عواقب إنسانية خطيرة، مما ساهم في عدم الاستقرار العالمي وفقدان الأرواح”.
وتابع الموقع: “من النتائج الداخلية الأخرى لولاية ترامب الثانية حدوث تحول ملحوظ داخل الجناح اليميني، لا سيما بين قطاعات حركة “ماغا” التي تعارض أجندته الحالية وتقاربها الوثيق مع إسرائيل. يبدو أن إدارة ترامب قد تأثرت برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشركائه للانخراط في هذا العدوان ضد إيران، في تجاهل تام للنداءات المخالفة من حلفاء الخليج، استناداً إلى مزاعم تحقيق نصر سريع وحاسم لم يتحقق في نهاية المطاف. ما نشهده الآن لا يقتصر على استياء اليسار الأميركي من أجندة “إسرائيل أولاً” المزعومة، بل إن شخصيات يمينية بارزة بدأت أيضاً في التعبير عن معارضتها. هذا الانقسام الناشئ يُضعف تدريجياً قاعدة دعم ترامب ويُضعف موقفه على الصعيد المحلي. وبالتالي يمكن القول إن إسرائيل خرجت من هذه الحرب خاسرة أيضاً، حيث كانت خسارتها الأكبر هي الدعم الذي كان يُعتبر أمراً مفروغاً منه من قبل الشعب الأميركي”.
وأضاف الموقع: “من المجالات الأخرى التي قد يُنظر فيها إلى إسرائيل على أنها فشلت، عجزها عن نزع سلاح حزب الله بشكل كامل. فبينما ألحقت إسرائيل أضرارًا جسيمة بقيادة الحزب وقدراته العملياتية، يبدو أن حزب الله قد احتفظ بقدرته على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلًا عن التصدي للتوغلات البرية الإسرائيلية. أما أبرز نجاحات إسرائيل الملموسة، فكانت في تعميق الانقسامات الطائفية الداخلية في لبنان، بالتزامن مع توجه اللبنانيين الحالي نحو مفاوضات مباشرة مع تل أبيب انطلاقاً من موقف ضعف واضح. وبهذا المعنى، يكون لبنان قد تنازل فعلياً، عبر العمليات السياسية، عما عجزت إسرائيل عن تحقيقه بالوسائل العسكرية”.
وبحسب الموقع: “قد تُعتبر دول الخليج أيضاً من بين الخاسرين نسبياً في هذه المواجهة. فبعد أن استثمرت بكثافة في الضمانات الأمنية الأميركية، واجهت حقيقة أن المصالح الأمنية الإسرائيلية لها الأولوية في حسابات واشنطن الاستراتيجية. لم يؤد هذا التصعيد إلى تقويض صورة الخليج التي تم بناؤها بعناية كبيئة استثمارية مستقرة وآمنة فحسب، بل كشف أيضاً عن مواطن ضعف في بنيته التحتية للطاقة. إن استمرار حالة عدم اليقين المحيطة بمضيق هرمز، إلى جانب الوقت اللازم لإصلاح واستعادة قدرات التصدير، يُنذر بإطالة أمد الاضطراب الاقتصادي، في حين أن الولايات المتحدة قادرة على توسيع حصتها في أسواق الطاقة العالمية من خلال زيادة صادرات النفط والغاز”.
الضرر بالسمعة
وبحسب الموقع: “في غضون ذلك، يبدو أن مضيق هرمز بات خاضعاً فعلياً للسيطرة الإيرانية، وهي نتيجة غير مقصودة يبدو أن إدارة ترامب لم تتوقعها، مما أدى إلى خلق أزمة لم تكن موجودة من قبل، ويعكس مثالاً آخر على تجاوز الولايات المتحدة لحدودها الاستراتيجية، والذي تفاقم بسبب موقفها التقييدي تجاه حركة الملاحة البحرية في المضيق. ويُذكّر هذا الخطأ في التقدير بأخطاء استراتيجية أميركية سابقة، مثل غزو العراق عام 2003، الذي عزز في نهاية المطاف نفوذ إيران داخل العراق، وساهم في ظهور نظام سياسي ضعيف وطائفي ومتشرذم ومتأثر بالعوامل الخارجية. لقد تضررت الصورة العالمية لكل من ترامب والولايات المتحدة بشكل كبير؛ وبينما كانت هذه التصورات موجودة منذ فترة طويلة في أجزاء من الشرق الأوسط والجنوب العالمي، فإنها باتت الآن أكثر وضوحاً في أوروبا أيضاً. ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان هذا سيؤدي إلى فقدان السلطة السياسية محلياً، لكن ترامب قد مارس بالفعل ضغطاً كبيراً على معايير الحكم الأميركية الراسخة خلال ولايته الثانية، ومدى التسامح مع هذا الأمر يثير تساؤلات مهمة حول مرونة المؤسسات الديمقراطية الأميركية وطبيعتها”.
وتابع الموقع: “يبدو أن الأرجح هو أن الحكومة الإيرانية ستصبح أكثر رسوخاً وحزماً في موقفها كما يتضح من رفضها التنازل خلال المفاوضات الأخيرة في باكستان، واستمرارها في التمسك بالمطالب الاستراتيجية الأساسية. على مدى العقد الماضي، شهدت إيران حالات متعددة من تصرف الولايات المتحدة بشكل مخادع وبسوء نية: انسحابها الأحادي من الاتفاق النووي لعام 2015، والعمل العسكري خلال المفاوضات في حزيران الماضي، والهجوم الأخير خلال المحادثات التي توسطت فيها سلطنة عمان. وفي ظل هذه الظروف، يصعب فهم سبب ثقة إيران بالولايات المتحدة مجدداً. وبالمثل، فإن التقاعس الملحوظ للحكومات الأوروبية وسط هذه التطورات يثير تساؤلات حول صدقيتها من وجهة نظر إيران. ومن غير المرجح أن يتم قبول استمرار ازدواجية المعايير في التعاملات الدولية مع إيران في المستقبل”.
وختم الموقع: “إذا كان الهدف من العمليات العسكرية الأميركية الإسرائيلية هو إضعاف أو زعزعة استقرار الحكومة الإيرانية، فإن النتيجة حتى الآن تبدو عكس ذلك. إن الجهات الفاعلة الرئيسية التي ستخرج ضعيفة من هذا المسعى هي حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، الذين يواجهون الآن عبء إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، والخسائر المحتملة في حصة سوق الطاقة العالمية، وعدم اليقين المطول بشأن الأمن والحوكمة المستقبلية لمضيق هرمز”.













