البرازيل: جدل واسع بعد تصنيف عصابات مخدرات كمنظمات إرهابية

beirut News4 يونيو 2026
البرازيل: جدل واسع بعد تصنيف عصابات مخدرات كمنظمات إرهابية


أثار قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصنيف أكبر جماعتين إجراميتين في البرازيل، “قيادة العاصمة الأولى” و”القيادة الحمراء”، كمنظمتين إرهابيتين، جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية البرازيلية، وسط تحذيرات من تداعيات قد تتجاوز مكافحة الجريمة لتطال العلاقات الثنائية والاقتصاد والسيادة الوطنية.

وجاء القرار ضمن إستراتيجية أمريكية أوسع لمواجهة شبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة في أمريكا اللاتينية، بعد خطوات مماثلة استهدفت جماعات إجرامية في المكسيك وكولومبيا وهايتي، بحسب “فوريس بوليسي”.

وتقول واشنطن إن الهدف يتمثل في تجفيف مصادر تمويل الجماعات المرتبطة بتجارة المخدرات وإبعاد المخدرات غير المشروعة عن الأسواق الأمريكية.

لكن في البرازيل، يرى كثير من الخبراء أن القرار قد يخلق مشكلات جديدة أكثر مما يقدم حلولاً.

منطق المواجهة العسكرية

يحذر مسؤولون وخبراء أمنيون برازيليون من أن تصنيف العصابات كمنظمات إرهابية يغيّر طبيعة التعامل معها من قضية أمنية وقضائية إلى ملف دفاعي وعسكري.

ويشير منتقدو القرار إلى أن التعاون القائم بين أجهزة إنفاذ القانون في البلدين يعتمد على تبادل المعلومات والأدلة الجنائية التي تساعد على الاعتقالات والمحاكمات، بينما تعمل الأجهزة العسكرية والاستخباراتية وفق قواعد مختلفة تركز على استهداف الخصوم وتعطيلهم؛ ما قد يحد من فاعلية التعاون الأمني التقليدي.

وتزداد هذه المخاوف في ضوء التجربة المكسيكية، حيث وسَّعت الولايات المتحدة بعد تصنيف بعض عصابات المخدرات كمنظمات إرهابية، عمليات المراقبة الجوية والاستخباراتية، وظهرت آنذاك نقاشات داخل واشنطن حول إمكانية تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة ضد شبكات التهريب.

ويرى محللون، أن عسكرة الحرب على المخدرات لم تحقق نتائج حاسمة حتى الآن، إذ تمكنت شبكات التهريب من تعديل مساراتها وأساليبها رغم الضربات الأمنية والعسكرية المتكررة.

كما يشير مراقبون إلى أن البرازيل ليست منتجاً رئيسياً للكوكايين، بل تمثل في المقام الأول نقطة عبور للشحنات القادمة من دول الأنديز والمتجهة إلى الأسواق الأوروبية؛ ما يثير تساؤلات حول مدى تأثير القرار في تدفق المخدرات إلى الولايات المتحدة.

ورقة انتخابية في صراع اليمين واليسار

سياسياً، وفر القرار الأمريكي دفعة قوية لمعسكر اليمين البرازيلي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر المقبل.

واعتبر حلفاء عائلة بولسونارو الخطوة دليلاً على متانة علاقاتهم مع إدارة ترامب، خاصة بعد زيارة فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، إلى البيت الأبيض قبل أيام من الإعلان.

في المقابل، وضع القرار الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في موقف معقد.

 فمن جهة، يسعى لولا إلى الدفاع عن السيادة البرازيلية ورفض أي تدخل خارجي في الشؤون الأمنية للبلاد، ومن جهة أخرى لا يريد أن يظهر أمام الناخبين بمظهر المتهاون مع الجريمة المنظمة، وهي إحدى القضايا التي تمثل نقطة ضعف تقليدية لليسار البرازيلي.

ولهذا تبنت حكومته موقفاً وسطاً، يجمع بين انتقاد التصنيف الأمريكي وتأكيد  استمرار التعاون مع واشنطن في مكافحة غسل الأموال، وتهريب الأسلحة، والجريمة المنظمة.

الاقتصاد البرازيلي في دائرة الخطر

ورغم الجدل الأمني والسياسي، يرى كثير من المراقبين أن التأثير الأكبر قد يكون اقتصادياً.

فالتصنيف يمنح السلطات الأمريكية صلاحيات أوسع لتجميد الأصول وملاحقة الأفراد والكيانات المرتبطة بالعصابات، كما يفتح الباب أمام رقابة أكثر تشدداً على التحويلات المالية والمعاملات التي تمر عبر النظام المالي الأميركي أو تتم بالدولار.

وتخشى المؤسسات المالية البرازيلية من أن يؤدي ذلك إلى زيادة تكاليف الامتثال المصرفي وتباطؤ العمليات المالية الدولية وارتفاع مخاطر العقوبات، حتى في الحالات التي لا تكون فيها البنوك على علم بوجود صلات غير مباشرة مع أفراد أو شركات مرتبطة بالجريمة المنظمة.

وتزداد المخاوف بسبب الحجم الكبير لاختراق العصابات للاقتصاد المحلي.

فالتقديرات تشير إلى أن “قيادة العاصمة الأولى” وحدها تمتلك استثمارات وأصولاً بمليارات الدولارات موزعة على قطاعات العقارات والخدمات اللوجستية والزراعة والبناء.

كما حذَّر مسؤولون برازيليون من أن الضغوط الأمريكية قد تمتد إلى أنظمة الدفع المحلية، بما في ذلك نظام “بيكس” للتحويلات الفورية، وهو ما قد يؤثر في ثقة المستثمرين وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.

وفي ظل هذه التطورات، يرى مراقبون أن قرار إدارة ترامب لا يقتصر على مكافحة الجريمة المنظمة، بل يحمل أبعاداً سياسية وجيوسياسية أوسع. 

فبينما تعتبره واشنطن أداة جديدة لمحاربة شبكات التهريب، تنظر إليه قطاعات واسعة في البرازيل باعتباره وسيلة ضغط أمريكية قد تعيد تشكيل العلاقات الثنائية وتؤثر في التوازنات السياسية والاقتصادية للبلاد، خاصة مع اقتراب موسم انتخابي حاسم في كلٍّ من البرازيل والولايات المتحدة.