بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على توليه منصب المرشد الأعلى في إيران، لا يزال مجتبى خامنئي خارج نطاق الرصد، في واحدة من أكثر المهمات الاستخبارية تعقيداً التي تواجهها الولايات المتحدة وإسرائيل، وفق ما كشفته صحيفة “التايمز” البريطانية. ويشير التقرير إلى أن أجهزة الاستخبارات في البلدين تبذل جهوداً مكثفة لتحديد مكان وجوده والتأكد من وضعه، بعدما أصبح ظهوره العلني معدوماً منذ اغتيال والده علي خامنئي في غارة إسرائيلية نُفذت في 28 شباط الماضي، بحسب الرواية التي يستند إليها التقرير.
وبحسب الصحيفة، فإن مجتبى خامنئي تعمّد قطع أي أثر رقمي قد يقود إليه، إذ لم يستخدم هاتفاً محمولاً أو حاسوباً منذ نحو 150 يوماً، كما لم يظهر في أي مناسبة عامة، ويُعتقد أنه يقيم داخل منشأة محصنة تحت الأرض، بعدما أصيب خلال الغارة التي اغتيل فيها والده. وتضيف أن هاجس الرصد عبر الأقمار الاصطناعية الأميركية أو وسائل المراقبة الإلكترونية دفعه إلى اتباع إجراءات أمنية غير مسبوقة، ما جعل مهمة تعقبه أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
ويؤكد التقرير أن أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية كانت قد نجحت سابقاً في تحديد مكان علي خامنئي عبر عمليات سيبرانية معقدة، شملت اختراق كاميرات المراقبة في طهران وتحليل تحركات سيارات الحراسة والمرافقين، في عملية نُفذت بالتنسيق بين وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) ووحدة الاستخبارات الإسرائيلية “8200”. إلا أن هذه الوسائل، التي اعتمدت بشكل أساسي على التكنولوجيا، لم تعد تحقق النتائج نفسها مع المرشد الجديد، بسبب غيابه الكامل عن الفضاء الإلكتروني.
وأمام هذا الواقع، تحولت الأولوية إلى الاستخبارات البشرية (HUMINT)، إذ تعتمد أجهزة الاستخبارات، وفق الصحيفة، على شبكة من العملاء والمصادر داخل إيران للإجابة عن سؤالين أساسيين: هل لا يزال مجتبى خامنئي على قيد الحياة؟ وأين يختبئ؟ وتشير الصحيفة إلى أن بعض التقديرات داخل الأوساط الاستخبارية لا تستبعد فرضية مقتله، معتبرة أن غياب أي دليل مرئي على بقائه حياً فتح الباب أمام تكهنات مختلفة، رغم استمرار صدور بيانات رسمية باسمه.
ونقلت “التايمز” عن رامي إيغرا، الرئيس السابق لإحدى دوائر الموساد، قوله إن التجارب السابقة أثبتت أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي للوصول إلى الشخصيات المستهدفة، مستشهداً بمحاولات البحث عن الرهائن في غزة، حيث لم تؤدِ المراقبة الإلكترونية وحدها إلى نتائج حاسمة. وبرأيه، فإن الوصول إلى مجتبى خامنئي لن يتحقق إلا من خلال اختراق بشري داخل الدائرة الضيقة المحيطة به.
وأضاف إيغرا أن المرشد الإيراني، إذا كان لا يزال على قيد الحياة، يعتمد على نظام اتصالات بدائي لكنه شديد الفاعلية، يقوم على تبادل الرسائل الورقية عبر سلسلة من الرسل، بحيث لا يعرف كل شخص سوى المرحلة التي يتولى تنفيذها، الأمر الذي يمنع كشف مصدر الرسائل أو وجهتها النهائية حتى في حال اعتراض أحد الناقلين.
ورأى المسؤول السابق في الموساد أن السيناريو الأقرب للوصول إلى خامنئي قد يكون مشابهاً لما فعلته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مع زعيم تنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن، عندما تمكنت من تحديد مكانه بعد تعقب أحد رسله المقربين. لكنه شدد على أن تنفيذ هذا السيناريو داخل إيران أكثر تعقيداً، لأن الأشخاص المحيطين بالمرشد يخضعون لتدقيق أمني صارم، ويُعتقد أن عدداً محدوداً جداً من قادة الحرس الثوري هم وحدهم من يعرفون مكان وجوده الحقيقي.
وفي سياق متصل، أشار أفنر أبراهام، المسؤول السابق في الموساد، إلى احتمال استخدام السلطات الإيرانية أشخاصاً يشبهون مجتبى خامنئي، على غرار ما كان يفعله الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، لإرباك أي محاولات لتعقبه. وقال إن الأشخاص المكلفين بإيصال الطعام أو تقديم الخدمات قد يظنون أنهم يتعاملون مع المرشد نفسه، بينما يكون الشخص الموجود أمامهم مجرد شبيه، في خطوة تهدف إلى تضليل أي اختراق استخباراتي محتمل.
ولفت التقرير إلى أن غياب مجتبى خامنئي عن جنازة والده أثار موجة واسعة من التساؤلات داخل إيران وخارجها، إذ لم يظهر في أي تسجيل مصور أو مناسبة رسمية منذ توليه المنصب، فيما اقتصر حضوره على بيانات مكتوبة صدرت باسمه. وترى الصحيفة أن هذا الغياب غير المعتاد عزز الغموض بشأن وضعه الصحي ومكان إقامته، بل وحتى بشأن مدى ممارسته الفعلية لمهامه.
ورجحت “التايمز” أن يلجأ خامنئي مستقبلاً إلى بث رسالة صوتية لطمأنة الإيرانيين وإثبات أنه لا يزال على قيد الحياة، إلا أن خبراء استخبارات حذروا من أن التسجيلات الصوتية قد تكشف بدورها معلومات تقنية، مثل نوع جهاز التسجيل أو البيئة المحيطة أو موقع التسجيل، وهو ما قد يوفر خيوطاً تساعد أجهزة الاستخبارات على تضييق دائرة البحث.
وتخلص الصحيفة إلى أن نجاح الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية في تحديد مكان مجتبى خامنئي لن يكون نهاية المهمة، بل بداية مرحلة أكثر حساسية، إذ سيترك الأمر للقرار السياسي في واشنطن وتل أبيب لتحديد كيفية التعامل مع تلك المعلومات، في ظل تباين الآراء داخل الأوساط الاستخبارية بشأن جدوى استهداف مزيد من القيادات الإيرانية وما قد يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية.













