نشر موقع “إرم نيوز” الإماراتي تقريراً جديداً تناول فيه تصاعد الاستهدافات الإسرائيلية لأجهزة الشرطة والأمن في قطاع غزة، بعدما تركزت العمليات في مراحل سابقة على عناصر حركة “حماس” والفصائل الفلسطينية المسلحة.
وفي أحدث هذه الاستهدافات، استُشهد 9 فلسطينيين، بينهم قادة أمنيون، وأصيب أكثر من 15 آخرين، جراء غارة إسرائيلية استهدفت مقراً للشرطة وسط مدينة غزة. وقالت وزارة الداخلية في غزة إن القصف طال مقراً لشرطة البلديات، معتبرة أنه يأتي ضمن سلسلة ضربات تستهدف جهاز الشرطة في القطاع.
ويثير توسيع دائرة الاستهداف تساؤلات بشأن أهداف إسرائيل، خصوصاً في ظل الدور الذي تؤديه الشرطة في ضبط الأمن الداخلي، وسط تراجع مستويات السيطرة الأمنية وانتشار السلاح في غزة، فيما يرى محللون أن العمليات الأخيرة تندرج ضمن مسعى أوسع لضرب بنية الحكم القائمة في القطاع ومنع “حماس” من استعادة نفوذها الأمني والإداري.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي ذوالفقار سويرجو أن استهداف الشرطة والأجهزة الأمنية يرتبط بالطريقة التي تنظر بها حكومة بنيامين نتنياهو إلى منظومة الحكم في غزة.
ويقول سويرجو لـ”إرم نيوز” إن “الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع منظومة الحكم في غزة كمنظومة واحدة”، ولا تفصل بين مكوناتها العسكرية والمدنية، معتبراً أن إسرائيل ترى في بقاء أي جزء من هذه المنظومة إخفاقاً في تحقيق أحد أهداف الحرب المعلنة، والمتمثل في إنهاء حكم “حماس” في القطاع.
وبحسب سويرجو، فإن استهداف الشرطة المدنية يأتي ضمن استهداف أوسع لبنية الحكم، وليس تحولاً منفصلاً عن العمليات التي طالت قيادات وعناصر الفصائل الفلسطينية، مشيراً إلى أن ما يجري يمثل عملية ممنهجة تستند إلى اعتبارات سياسية وأيديولوجية تتبناها الحكومة الإسرائيلية.
ويرى أن الشرطة والأجهزة الأمنية تشكل إحدى الأدوات الأساسية لفرض النظام داخل غزة، وبالتالي فإن إضعافها قد ينعكس مباشرةً على قدرة المجتمع المحلي على إدارة شؤونه اليومية.
ولا يعتبر سويرجو أن هناك تغييراً جوهرياً في السياسة الإسرائيلية، بل توسعاً في طبيعة الأهداف وأدوات تنفيذها، قائلاً: “لا يوجد تغيير في السياسة ولا يوجد تغيير في المنهجية، وما يحدث هو استمرار لنهج قائم منذ بداية الحرب، وإن كان قد أخذ طابعاً جديداً في المرحلة الراهنة”.
من جهته، يرى المحلل السياسي فريد أبو ضهير أن استهداف الشرطة والمؤسسات المدنية لا يمثل تحولاً منفصلاً في أهداف الحرب الإسرائيلية، بل يأتي ضمن استراتيجية أوسع بدأت تتضح منذ 7 تشرين الأول.
ويقول لـ”إرم نيوز” إن هذه الاستراتيجية تجمع بين محاولة استعادة الهيبة الإسرائيلية وفرض الهيمنة على الساحة الفلسطينية، وبين إضعاف مختلف مكونات البيئة التي تستند إليها “حماس” والفصائل في القطاع.
ويضيف أن انتقال إسرائيل من استهداف المسلحين إلى الشرطة والمؤسسات المدنية يعكس توجهاً نحو ضرب ما تعتبره إسرائيل البنى الاجتماعية الداعمة للمقاومة، لافتاً إلى أن هذه السياسة لا تقتصر، وفق رؤيته، على غزة، بل تمتد إلى الضفة الغربية والمجالات الاقتصادية والتعليمية والمؤسساتية الفلسطينية.
وبحسب أبو ضهير، فإن استهداف البنى المدنية والأمنية يمثل مرحلة أخرى من الحرب، وربما كان مؤجلاً إلى حين إضعاف الوجود العسكري لـ”حماس”، مشيراً إلى أن الهدف الأوسع يتمثل في إحداث تغيير في الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الفلسطيني وإعادة تشكيل البيئة التي يمكن أن تستند إليها المقاومة مستقبلاً.
وفي ما يتعلق بالشرطة والأمن الداخلي تحديداً، يرى أبو ضهير أن إسرائيل تسعى إلى إنهاء الوجود السياسي والعسكري والإداري والتنظيمي لـ”حماس” في غزة، ومنع الحركة من إعادة تنظيم صفوفها واستعادة قدرتها على العمل داخل القطاع.
ويربط ذلك أيضاً بمسألة نزع سلاح الحركة، مشيراً إلى أن إسرائيل ربطت في مراحل سابقة الانسحاب من بعض المناطق داخل غزة بتجريد “حماس” من السلاح.
وفي المقابل، يرى أبو ضهير أن إسرائيل لا تضع مسألة الفوضى أو قدرة القطاع على إدارة شؤونه اليومية في مقدمة أولوياتها، بقدر تركيزها على منع عودة “حماس” إلى إدارة غزة أو استعادة نفوذ أمني وإداري فيها.
ويشير إلى أن إسرائيل تدرس سيناريوهات متعددة لمستقبل إدارة القطاع، بينها تولي السلطة الفلسطينية أو قوة دولية أو ترتيبات أخرى المسؤولية، شرط أن تكون منسجمة مع متطلباتها الأمنية. لكنه يلفت إلى أن خبرة “حماس” الطويلة في إدارة غزة تجعل استبدالها إدارياً وأمنياً أكثر تعقيداً في حال عدم توافر جهة فلسطينية أو خارجية قادرة على فرض السيطرة وإدارة شؤون القطاع.
ومن هنا، يرى أبو ضهير أن إضعاف الشرطة والأجهزة الأمنية القائمة قد يكون جزءاً من الصراع على شكل السلطة التي ستدير غزة مستقبلاً.
ويحذر في الوقت نفسه من أن استمرار إضعاف المؤسسات الأمنية والإدارية من دون توفير بديل قادر على إدارة القطاع قد يفاقم الفوضى ويجعل معالجة الوضع أكثر تعقيداً، معتبراً أن الحل العسكري وحده لا يمكنه إنهاء المشكلة. (إرم نيوز)












