تحقيق “The Guardian”: عمال إغاثة قُتلوا في غزة بسبب…

beirut News6 سبتمبر 2026
تحقيق “The Guardian”: عمال إغاثة قُتلوا في غزة بسبب…

يكشف تحقيق لصحيفة “The Guardian” أن مقتل 7 من عمال الإغاثة في غارة إسرائيلية على قافلة تابعة لمنظمة “World Central Kitchen” في غزة لم يكن مجرد نتيجة أخطاء فردية، كما قالت الرواية الرسمية الإسرائيلية، بل ارتبط بممارسة عسكرية أوسع داخل الجيش الإسرائيلي تقوم على تصنيف أشخاص كأهداف بسبب قربهم أو تواصلهم مع مسلحين مشتبه بهم.

وقع الهجوم في نيسان 2024، عندما أطلقت مسيرات إسرائيلية صواريخ على 3 سيارات واضحة العلامات تابعة للمنظمة، بعد وقت قصير من مرافقتها شحنة مساعدات غذائية إلى غزة. وأسفر الهجوم عن مقتل 3 بريطانيين، وأسترالية، وفلسطيني، وبولندي، ومواطن يحمل الجنسيتين الأميركية والكندية.

الرواية الرسمية للجيش الإسرائيلي تحدثت عن أخطاء محددة ارتكبها عدد محدود من الضباط. كما حمّلت الضحايا جزءاً من المسؤولية، بسبب الاستعانة بحراس مسلحين لحماية قافلة المساعدات، وبسبب ما وصفته بـ”الانحراف” عن المسار المتفق عليه. لكن مقابلات أجرتها الصحيفة مع ضباط إسرائيليين كبار، شاركوا في الحادث أو اطلعوا على التحقيق العسكري، تشير إلى أن التحقيق الرسمي تجاهل دور ممارسة ميدانية شائعة في تحديد الأهداف.

بحسب التحقيق، كان الضابط الاحتياطي نوخي مندل، الذي أمر بتنفيذ الضربات، يرى أن فريق “World Central Kitchen” أصبح هدفاً محتملاً بعد تواصل قصير مع حراس مسلحين افترض أنهم من “حماس”، قبل أن يتبين لاحقاً أن هذا الافتراض لا أساس له. وقال مندل إن العاملين “اختلطوا” مع عناصر مشتبه بهم، معتبراً أن مجرد القرب أو الحديث أو الوجود في المكان نفسه يمكن أن يدخل ضمن هذا التصنيف.

وتشير “The Guardian” إلى أن مندل كان يتحدث عن سياسة تعرف في الجيش الإسرائيلي باسم “haflala”، أي “التجريم” أو “الإدانة المسبقة”، وهي ممارسة تمنح القادة الميدانيين مساحة واسعة لتحديد من يُعد “إرهابياً” أو هدفاً مشروعاً، بما في ذلك من يجري ربطه بالمشتبه بهم عبر العلاقة أو القرب المكاني.

خطورة هذه الممارسة أنها لا تتعامل مع الخطر المباشر فقط. فعندما دُمرت القافلة، لم تكن قريبة من جنود إسرائيليين، وقال ضباط مطلعون على الحادث إن الضربات لم تُنفذ بسبب تهديد وشيك لحياة جنود، بل ضمن مهمة أوسع هدفها منع “حماس” من السيطرة على توزيع المساعدات.

الجيش الإسرائيلي قال إن الغارات نتجت عن “تقييم خاطئ” بوجود عناصر عسكرية من “حماس” داخل المركبات، لا عن نية لاستهداف عمال المنظمة. وأضاف أن الأخطاء تراكمت بسبب إخفاقات خطيرة في الالتزام بالأوامر والإجراءات، لكنه خلص إلى أن ظروف الحادث لا تبرر فتح تحقيق جنائي.

هذا القرار أثار غضب المنظمة والدول التي ينتمي إليها الضحايا. فقد قالت “World Central Kitchen” إن قرار عدم الملاحقة الجنائية “لا ينسجم مع الحقيقة الكاملة ومهين للغاية”، مؤكدة أن فريقها كان أعزل ولا يشكل أي تهديد، وأن الجيش الإسرائيلي كان يعرف مسبقاً تحركاته وهويات أفراده وطبيعة عملهم. كما وصفت بريطانيا وأستراليا وكندا قرار المدعي العسكري الإسرائيلي بأنه “مشين”.

لكن التحقيق يذهب أبعد من هذه الحادثة. فبحسب ضباط إسرائيليين، طريقة العمل في غزة منحت القادة الميدانيين صلاحيات واسعة في تقدير من يمكن اعتباره هدفاً. وتزداد خطورة ذلك عندما تُمرر قواعد الاشتباك والتوجيهات شفهياً في كثير من الأحيان، وفق ظروف كل منطقة وسياقها العسكري.

ورغم أن الجيش الإسرائيلي شدد في بيانه على أن وجود شخص قرب مسلح أو تواصله معه لا يجعله هدفاً مشروعاً بحد ذاته، فإن ضابطاً مطلعاً على حادثة “World Central Kitchen” قال إن غالبية كبيرة من الضباط كانت ستتصرف بالطريقة نفسها في الظروف ذاتها. وبحسب تقديره، فإن الضربة الأولى كانت ستُنفذ في معظم الحالات، وربما تليها ضربات أخرى.

وتظهر أكثر النقاط خطورة في الضربتين الثانية والثالثة. فبعد الضربة الأولى، خرج أشخاص من المركبة المستهدفة وانتقلوا إلى مركبات أخرى. وقال ضابط كبير شارك في التحقيق العسكري الأولي إن الضربة الأولى يمكن تفسيرها بسوء تحديد الهدف، لكن الضربتين اللاحقتين خالفتا الأوامر، لأن من خرجوا لم يكونوا يحملون أسلحة ولم يكن معروفاً من يجري استهدافه فعلاً.

وتربط الصحيفة بين هذه الحادثة وبين مهمة أوسع أوكلتها حكومة بنيامين نتنياهو إلى الجيش في غزة: تدمير قدرة “حماس” على الحكم والسيطرة. ووفق التحقيق، أدى هذا الهدف المفتوح إلى توسيع دائرة الاشتباه، بحيث يمكن أن يجد العاملون في توزيع المساعدات أنفسهم في مرمى المسيرات إذا اعتُبروا، خطأ أو تقديراً، جزءاً من نفوذ “حماس” المدني.

بهذا المعنى، لا تبدو مأساة “World Central Kitchen” حادثاً منفصلاً فقط، بل نافذة على طريقة إدارة الحرب داخل غزة. فحين يصبح القرب من مسلح، أو المرور بجانب قافلة، أو العمل في بيئة فوضوية ومجوعة، سبباً كافياً لبناء الاشتباه، تتقلص المسافة بين الخطأ الميداني والقتل المنهجي.

والأخطر أن هذه القواعد لا تهدد المسلحين وحدهم، بل كل من يتحرك داخل مساحة حرب مغلقة: عمال الإغاثة، السائقون، المدنيون الباحثون عن الطعام، وحتى من يحاولون حماية قوافل المساعدات من النهب. لذلك لا يكشف التحقيق فقط كيف قُتل 7 عمال إغاثة، بل كيف يمكن لممارسة عسكرية فضفاضة أن تحول العمل الإنساني نفسه إلى تهمة.

وفي نهاية التحقيق، بدا موقف مندل صادماً في وضوحه. فهو قال إنه جاء “لهزيمة حماس”، وإن الحادث لو تكرر أمامه لفعل الشيء نفسه مجدداً، كما وصف مقتل عمال الإغاثة بأنه “حدث جانبي غبي” وليس حدثاً خطيراً.