تقرير يكشف.. هذه حالة غزة اليوم

beirut News21 سبتمبر 2026
تقرير يكشف.. هذه حالة غزة اليوم

بعد نحو عام على وقف إطلاق النار، لا تبدو غزة قد دخلت فعلياً مرحلة ما بعد الحرب. فالإعمار ما زال شبه متوقف، مئات آلاف المنازل متضررة، ومساحات واسعة من القطاع خارج متناول السكان، فيما يحاول الفلسطينيون إعادة بناء تفاصيل حياة يومية وسط الركام.

 

 
هذا ما يصفه جاسر أبو موسى، الباحث في “Middle East Institute”  في مقابلة مع مجلة “The New Yorker”، قائلاً إن نحو مليوني فلسطيني باتوا يعيشون في قرابة 30% فقط من مساحة القطاع، في ظل سيطرة إسرائيلية على الجزء الأكبر منه.

 

وتتوافق الصورة العامة للدمار مع أحدث تقييمات الأمم المتحدة. فمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أفاد بأن نحو 82% من مباني غزة كانت قد تعرضت للضرر حتى حزيران 2026، فيما تجاوز عدد الوحدات السكنية المتضررة 328 ألفاً.

 

ويقول أبو موسى إن كثيراً من السكان اضطروا إلى الاختيار بين الخيام وبين العودة إلى بقايا منازلهم المتضررة، فيما لم تدخل مواد البناء والمعدات اللازمة لإزالة الركام بالكميات التي تسمح بإطلاق عملية إعمار واسعة.

 

وقد أعاد انهيار مبنى متضرر في مدينة غزة خلال أيلول، ومقتل 21 شخصاً داخله، تسليط الضوء على خطورة العودة إلى الأبنية غير الآمنة. وأفادت “Reuters” بأن عشرات آلاف العائلات لا تزال تعيش في مبان متصدعة أو ملاجئ موقتة نتيجة النقص الحاد في البدائل السكنية.

 

ورغم ذلك، بدأت بعض مظاهر الحياة بالعودة. مطاعم أعيد افتتاحها، وحفلات زفاف تقام من جديد، فيما عاد جزء من الطلاب إلى التعليم الحضوري لأول مرة منذ قرابة 3 سنوات، لكن وسط منشآت تعليمية مدمرة أو مؤقتة ونقص كبير في التجهيزات. وتقول “Reuters”، نقلاً عن “UNICEF”، إن 98% من مدارس غزة تعرضت للتدمير أو لأضرار كبيرة.

 

لكن المشكلات تتجاوز السكن والتعليم. أبو موسى تحدث عن انهيار واسع في الخدمات الصحية والصرف الصحي، إضافة إلى ارتفاع مستويات العنف داخل المجتمع نتيجة سنوات الحرب والنزوح والضغط الاقتصادي والنفسي. ووصف الحالة بأنها مجتمع يعيش على “مهارات بقاء قاتلة”، على حد تعبيره، في إشارة إلى التحولات التي فرضتها ندرة الغذاء والخدمات والخوف المستمر.

 

كما أشار إلى أن توسع مناطق السيطرة الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار أثر بصورة مباشرة في الأراضي الزراعية التي كانت تشكل جزءاً مهماً من مصدر الغذاء المحلي، مقدراً أن الإنتاج الزراعي بات عند نسبة ضئيلة جداً مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

 

أما الجانب الأكثر قسوة في المقابلة، فيظهر عندما يتحول الحديث من الأرقام إلى قصة أبو موسى الشخصية.

 

فقد قال إنه فقد زوجته واثنين من أطفاله خلال الحرب، ثم فقد والدته وشقيقته وأطفالها وخاله وزوجته في حوادث لاحقة. كما تحدث عن شقيقه، وهو طبيب، الذي قال إنه احتُجز لمدة 20 شهراً بعد اقتياده من مستشفى ناصر قبل إطلاق سراحه مع بدء وقف إطلاق النار.

 

ورغم ذلك، يقول أبو موسى إنه يواصل العمل مع مجموعات فلسطينية وإسرائيلية تدعو إلى حلول سياسية مشتركة، ويرى في الكتابة والعمل العام وسيلة للتعامل مع خساراته الشخصية وللدفع باتجاه إنهاء دائرة الحرب.

 

وتكشف المقابلة مفارقة غزة اليوم: القتال الواسع تراجع مقارنة بسنوات الحرب، لكن الانتقال إلى حياة طبيعية لم يبدأ فعلياً بعد. فالتقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي يقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل، بينها أكثر من 26 مليار دولار مطلوبة خلال أول 18 شهراً فقط.

بالنسبة إلى سكان القطاع، تبقى المشكلة أبسط وأكثر مباشرة: وقف إطلاق النار أوقف جزءاً كبيراً من القتال، لكنه لم يعد لهم حتى الآن المنزل والمدرسة والعمل والحياة التي كانت موجودة قبل الحرب.