‏العفو العام في لبنان: عدالة شاملة أم بازار سياسي وطائفي؟

beirut News12 مايو 2026
‏العفو العام في لبنان: عدالة شاملة أم بازار سياسي وطائفي؟
زياد الغوش
زياد الغوش

‏في كل مرة يُفتح فيها ملف العفو العام في لبنان، ينكشف حجم الانهيار الحقيقي في مفهوم الدولة.

فجأة، تتحوّل العدالة إلى مادة مساومة، ويتحوّل القانون إلى ورقة تفاوض بين القوى السياسية والطائفية، كلٌّ يريد “عفوه الخاص”، وكلّ جهة تبحث عن حصتها من التسويات، فيما الدولة تغيب مجددًا خلف أبواب الزواريب والمصالح.

‏العفو العام، في أي دولة تحترم نفسها، ليس منّة من زعيم، ولا هدية انتخابية تُرمى للشارع عند الحاجة.

العفو قرار سيادي خطير يفترض أن يستند إلى معايير قانونية واضحة وعدالة متساوية تشمل الجميع، لا أن يُفصّل على قياس مناطق أو طوائف أو جماعات نافذة تمتلك فائض قوة أو فائض ابتزاز سياسي.

‏المفارقة في لبنان أن بعض القوى تريد تحويل العفو إلى “عفو انتقائي”، يُفتح لفئة ويُقفل بوجه أخرى، وكأن دماء اللبنانيين وحقوقهم تخضع لحسابات النفوذ السياسي والطائفي. هنا تحديدًا تكمن الكارثة: عندما تصبح العدالة خاضعة لموازين القوى، لا لموازين القانون.

‏إن حصر ملف العفو بأسماء محددة أو بيئات سياسية معينة لا يساهم في المصالحة الوطنية كما يدّعي البعض، بل يكرّس الانقسام ويعمّق شعور شرائح واسعة بأنها مستهدفة أو متروكة لمصيرها. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه دولة فقدت أصلًا ثقة مواطنيها بمؤسساتها القضائية والسياسية.

‏وإذا كانت الدولة جادة فعلًا في مقاربة هذا الملف، فعليها أن تمتلك الجرأة الكاملة لفتح كل الملفات بلا استثناء، لا أن تُدير ظهرها للحقائق التي يعرفها اللبنانيون جميعًا.

فلتُعاد المحاكمات في ملف عبرا، ولتُكشف كل المعطيات أمام الرأي العام، وليتم استدعاء عشرات العناصر المرتبطين بـ”سرايا المقاومة” والحزب، وليواجه الجميع القضاء بالوقائع والأدلة بدل الاكتفاء برواية واحدة كُتبت في ذروة الانقسام السياسي والأمني.

‏أما الاستمرار باستخدام ملف العفو كورقة ضغط موسمية، يُستحضر عند الحاجة ويُجمّد عند تبدّل المصالح، فهو دليل إضافي على أن الطبقة السياسية لا تريد عدالة فعلية، بل تريد إدارة الشارع عبر الصفقات والتسويات.

‏لبنان اليوم يعيش واحدة من أخطر مراحله الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وأي عبث بملف بهذا الحجم قد يفجّر مزيدًا من الاحتقان الداخلي.

لذلك، المطلوب ليس عفوًا شعبويًا يُطبخ في الغرف السياسية، بل قرار وطني واضح: إما عدالة شاملة تطال الجميع وفق معايير واحدة، وإما إقفال هذا الملف نهائيًا بدل إبقائه رهينة الابتزاز السياسي والطائفي.

‏ويبقى السؤال الذي يهرب منه الجميع:
‏هل تمتلك الدولة اللبنانية فعلًا قرار العدالة؟
‏أم أن ملف العفو سيبقى شاهدًا جديدًا على دولة تُدار بالمصالح لا بالقانون؟

المصدر بيروت نيوز