
في رسالة لا تحتمل التأويل، خرج أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم ليقول للدولة اللبنانية بوضوح: تفاوضوا كما تشاؤون… لكن القرار لي، والميدان لي، والسقف الذي تتحركون تحته أحدده أنا لا أنتم.
خطاب الشيخ نعيم لم يكن مجرد موقف سياسي، بل إعلاناً صريحاً بأن الدولة اللبنانية ما زالت ممنوعة من امتلاك قرار الحرب والسلم. فالرجل تحدث بثقة المنتصر، مؤكداً أن “المسيرات والصواريخ بدأت تفعل فعلها الكبير”، وأن الحزب “لن يترك الميدان ولن يعود إلى ما قبل 2 آذار”، كأن لبنان الرسمي مجرد متفرج على معركة تدار فوق أرضه ومن دون قراره.
الأخطر أن الشيخ نعيم تعمد هذه المرة تخفيف لهجة التخوين تجاه السلطة، لا حباً بالدولة، بل لأن المطلوب منها واضح: تفاوضوا ولكن بطريقة “غير مباشرة”، لا تقتربوا من أي تسوية لا تمر عبر شروط الحزب، ولا تحاولوا الذهاب إلى واشنطن بعقل الدولة بل بعقل “المقاومة”.
بمعنى أوضح: الدولة مسموح لها أن تحمل الرسائل… لا أن تصنع القرار.
وعندما يربط الشيخ نعيم وقف العدوان باتفاق إيراني – أميركي، فهو ينسف عملياً كل الكلام عن سيادة لبنانية مستقلة، ويؤكد مرة جديدة أن مفتاح الحرب في لبنان موجود في طهران قبل أن يكون في بيروت. هنا يصبح لبنان مجرد صندوق بريد إقليمي، فيما تكتفي السلطة بدور إدارة الأزمة لا صناعة الحل.
الخطاب حمل أيضاً رسالة داخلية قاسية: الجيش ينتشر حيث يسمح له، والدولة تتفاوض ضمن الهوامش المرسومة لها، أما قرار النار و الهدنة والاشتباك فباقٍ بيد الحزب وحده. ولذلك بدا كلام الشيخ نعيم وكأنه يقول للسلطة اللبنانية: “قولوا ما شئتم في الإعلام… أما على الأرض فنحن أصحاب الكلمة الأخيرة”.
في السياسة، حاول الحزب الاختباء خلف نموذج “الترسيم البحري” لتبرير التفاوض غير المباشر، ملتقياً بذلك مع مقاربة نبيه بري ووليد جنبلاط، لكن الفارق اليوم أن لبنان لم يعد يفاوض على حدود بحرية، بل على مصير دولة كاملة تدار بمنطق السلاح لا بمنطق المؤسسات.
باختصار، لم يكن خطاب نعيم قاسم خطاب دولة تبحث عن حماية شعبها، بل خطاب قوة تعتبر نفسها فوق الدولة، وفوق القرار اللبناني، وفوق أي مفاوضات لا تمر أولاً عبر “ختم الموافقة” الإيراني.










