لا تكن أداة للشائعات… التثبت مسؤولية أمام الله قبل الناس

beirut News3 يوليو 2026
لا تكن أداة للشائعات… التثبت مسؤولية أمام الله قبل الناس
خاص بيروت نيوز

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ صدق الله العظيم – الحجرات: 6.

عادت هذه الآية الكريمة إلى واجهة النقاش بعد أن تداول عدد من العلماء ورجال الدين وعموم الناس قيام أحد العاملين في السلك القضائي الشرعي بإعادة نشر حالة (Status) تضمنت مقالًا نشرته إحدى الصحف المعروفة بخطها التحريري المعارض تجاه دار الفتوى وسماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان وعدد من المقربين منه.

وليس المقصود هنا الدفاع عن مقال أو مهاجمة صحيفة، فلكل مؤسسة إعلامية خطها السياسي والتحريري ومن حق الجميع أن يكتب وأن ينتقد، لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول رجل دين وقاضٍ شرعي إلى ناقل لمعلومات تمس مرجعية دينية من دون أن يظهر أنه بذل الحد الأدنى من التثبت الذي أمر به القرآن الكريم قبل إصدار الأحكام أو تبني الروايات.

فالصحيفة التي نشرت المادة سبق أن أثارت في أكثر من مناسبة جدلًا واسعًا بسبب تناولها لملفات تخص الطائفة السنية ومرجعياتها، وهي تنتمي إلى المدرسة نفسها التي عبّر عنها أحد نواب الحزب بقوله: “نحن نحمل ثأرنا من ألفٍ وأربعمئة سنة” على الهواء مباشرة عبر قناة المنار، لذلك فإن صدور مثل هذا المقال عنها لا يثير الاستغراب وكما يقال: إذا عُرف السبب بطل العجب.ولذلك كان من الطبيعي أن تُقابل روايتها بالتحقق والتدقيق لا أن يعاد نشرها وكأنها حقيقة ثابتة.

واللافت أن القاضي نفسه كان قد رفض سابقًا توقيع بيان قضاة الشرع، مبررًا موقفه بأنه لا يريد أن يكون طرفًا في الخلاف، وأنه يحرص على وحدة الصف كما أنه تربطه علاقات شخصية بالقاضيين اللذين تقدما بالطعن. لذلك بدا مستغربًا أن ينتقل من موقع الحياد الذي أعلن التزامه به إلى إعادة نشر مادة إعلامية تصب في سياق السجال الدائر وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا التحول.

ومنذ توليه منصبه، صدرت عن القاضي المعني ممارسات إدارية وقضائية أثارت انتقادات داخل الأوساط القضائية والاجتماعية، سواء لجهة أسلوب التعاطي مع المراجعين أو طبيعة بعض الأحكام التي اعتبرها كثيرون مطولة إلى حد مبالغ فيه، بما يوحي وكأن طول الحكم معيار لجودته، في حين أن العدالة تقاس بسلامة التعليل وصحة التطبيق قبل عدد الصفحات كما تنكر لكثير من أصدقائه، بمن فيهم من ساهموا في تدريسه وتلقينه أصول العمل القضائي، تمامًا كالطفل الذي ينسى يد أمه بعد أن تعلم منها أكل حبات الكرز..
كما تتداول أوساط قضائية وإدارية معلومات تفيد بأنه استعان بأشخاص للعمل داخل مكتبه من خارج الملاك الوظيفي المعتاد، وهي مسألة، إن صحت، تستحق توضيحًا رسميًا، لما تثيره من تساؤلات تتعلق بالأصول الإدارية المعتمدة داخل الادارات العامة .

غير أن القضية الأساسية لا تكمن في كل ذلك، بل في سؤال بسيط تفرضه الآية الكريمة نفسها: كيف جرى التثبت من صحة المعلومات التي أُعيد نشرها؟
هل تم التواصل مع الجهات المعنية؟
هل جرى الاستماع إلى الطرف الآخر؟
هل قوطعت المعلومات مع مصادر مستقلة؟
أم أن رواية صحفية واحدة كانت كافية لبناء موقف وإعادة نشر اتهامات تمس مؤسسة دينية تمثل المرجعية العليا للطائفة السنية في لبنان؟

كان يكفي إجراء اتصال واحد للتأكد من حقيقة ما يُتداول، وللتثبت من أن سماحة رئيس المحكمة الشرعية الشيخ الدكتور محمد عسّاف لم يتدخل في هذا الملف أصلًا، وهو المعروف بمصداقيته ونزاهته، وبعلاقته المتينة مع سماحة مفتي الجمهورية الشيخ الدكتور عبد اللطيف دريان. ولو أراد اتخاذ أي موقف، لفعل ذلك علنًا، ومن خلال الأطر القانونية والمؤسساتية، وأمام الرأي العام.

فالاختلاف في الرأي حق لا ينازع فيه أحد، والنقد مشروع متى استند إلى الوقائع، لكن التسرع في تداول الأخبار قبل التحقق منها أمر مختلف تمامًا، ولا سيما عندما يصدر عن رجل دين وقاضٍ يفترض فيه أن يكون أول الملتزمين بقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.

أما محاولات بعض الجهات الإعلامية أو السياسية الاستثمار في أي خلاف داخلي لضرب المرجعية السنية أو الإيحاء بوجود انقسام داخل مؤسساتها، فلن تغير من حقيقة أن دار الفتوى بقيت، وستبقى، المرجعية الدينية والوطنية الجامعة للطائفة السنية
ويبقى السؤال الأهم إذا كان القرآن قد ألزم عامة المؤمنين بالتثبت قبل نقل الأخبار، فكم تكون المسؤولية أكبر على من يجمع بين العمامة ومنصة القضاء؟

إن التثبت ليس خيارًا، بل هو واجب شرعي وأخلاقي. ومن يطالب الناس بالالتزام بكتاب الله، يجدر به أن يكون أول الملتزمين بأحكامه، لأن الكلمة إذا خرجت من صاحب موقع ديني أو قضائي لا تبقى رأيًا شخصيًا، بل تتحول إلى رسالة قد تؤثر في الناس، وتترك أثرها في المجتمع ومؤسساته.

المصدر خاص بيروت نيوز