
قال الملك دبلشيم للفيلسوف بيدبا: ما أعجبني، يا بيدبا، من أمر رجل لا يُقدم على شأن حتى يُحكم تدبيره، ولا تعرض له نازلة إلا كانت له فيها خطة! ولعمري، إن مثل هذا لخليق بأن يُستعان برأيه ويُعوَّل على مشورته.
فقال بيدبا:
على رِسلك أيها الملك، فليس كل من كثرت حِيَلُه حَسُن تدبيره، ولا كل من أحكم خطته أَمِن عاقبتها. وقد يبلغ المرء من الإعجاب برأيه أن يُكذّب ما تراه عيناه ليُصدّق ما نسجه في خياله.
قال الملك: وهل يكون ذلك ممن يُحسن النظر والتدبير؟
قال بيدبا: نعم، إذا اغترّ برأيه حتى أبى أن يراجعه وإن خالف الواقع. وهذا ما كان من أمر البومة مع الأسد.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال بيدبا:
زعموا أن بومةً كانت تسكن شجرةً عتيقةً في أطراف الغابة، وقد اشتهرت بكثرة التفكير ووضع الخطط، حتى ظنّت أن الوقائع لا تقع إلا بإذن نظرياتها.
وذات صباح، أقبل الثعلب والحمار والطاووس إلى شجرتها، فوجدوا أرنبًا مبتلّ الفرو يجادلها.
قال الأرنب: يا سيدتي، إن المطر يهطل بغزارة!
قالت البومة: هذا مستحيل، فقد أثبتت حساباتي أن السماء صافية اليوم.
قال الأرنب: ولكنني ابتللتُ بالمطر!
قالت: لا تجعل من تجربتك الشخصية دليلًا علميًا!
قال الأرنب: فانظري إلى الغيوم فوق رأسك!
قالت: وما حاجتي إلى النظر وقد انتهيتُ من الحساب؟
وفي تلك اللحظة سقطت قطرة ماء على رأسها.
فقال الأرنب: وهذه؟
قالت: استثناء لا يُعتدّ به!
ثم سقطت أخرى، فقالت وهي تنفض ريشها: يبدو أن الغيوم لم تطّلع على نتائج دراستي!
وانصرف الأرنب، بينما تقدّم الثلاثة نحو البومة.
قال الثعلب غاضبًا: يبدو أن الظبي أيضًا لم يطّلع على نتائج دراستك! فقد أشرتِ علينا ألّا نحمل الدواء إلى زعيم الغابة، وقلتِ إن مرضه سيقضي عليه، فإذا بالظبي يحمله إليه فيُشفى!
قالت البومة: لقد خالف الظبي حساباتي، وتصرّف على خلاف ما يقتضيه المنطق السليم!
قال الحمار: ولكن الزعيم شُفي!
قالت البومة: وما ذنبي أنا إذا كان قد شُفي بطريقة تخالف حساباتي؟ كان الأجدر به أن يحترم الأصول العلمية، فلا يُشفى قبل أن أُجيز احتمال شفائه!
قال الثعلب: وما العمل الآن؟
قالت البومة، وهي تنشر خريطة الغابة: أعددتُ خطةً محكمة، تقتضي الاستعانة بحليف ذي خبرة واسعة.
قال الطاووس: ومن يكون؟
قالت: الحِدَأة.
فانتفض الثعلب: الحِدَأة التي طُردت بعدما أحرقت أشجار الغابة وكادت تُهلك أهلها؟
قالت: هي بعينها.
قال الحمار: ولكنها عدوة الغابة!
قالت: وهذا ما يجعلها حليفًا مناسبًا.
قال الثعلب: وكيف نأتمن من حاول إحراق غابتنا؟
قالت: أنتم تنظرون إلى ماضيها، وأنا أنظر إلى خبرتها!
ثم أشارت إلى الخريطة وقالت: نغلق الطرق، ونحرق المخازن، ونُشعل النار في أطراف الغابة، فلا يبقى للزعيم ما يحكمه.
قال الطاووس: وإن احترقت بيوتنا؟
قالت: نبني غيرها.
قال الحمار: وإن احترقت الأشجار؟
قالت: نزرع غيرها.
قال الثعلب: وإن احترقت الغابة كلها؟
قالت: عندئذٍ نكون قد حققنا الهدف ولن يعود لصاحب العرين غابة يحكمها!
قال الثعلب: ولكن الحِدَأة طُردت لأنها أحرقت الغابة، فكيف نعيدها لتفعل ما طُردت من أجله؟
قالت البومة: لقد كانت تحرق الغابة من غير خطة، أما اليوم فستحرقها وفق خطة علمية محكمة!
قال الحمار: وما الفرق بين الحريقين؟
قالت: الأول كان جريمة، أما الثاني فسيكون إنجازًا استراتيجيًا!
قال الثعلب: أخشى أن نُسقط الزعيم، ثم نختلف مع الحِدَأة على رماد الغابة.
قالت البومة: لا تتعجلوا، فقد أعددتُ لهذه المسألة دراسة مستقلة بعنوان إدارة الرماد في مرحلة ما بعد الزعيم!
قال بيدبا:
ولم تُنفّذ البومة شيئًا من خططها، ولم تعد الحِدَأة إلى الغابة، غير أنها لم تكفّ عن وضع المزيد منها، حتى غدت ترى في سلامة الغابة دليلًا على أن خططها لم تُطبّق بعد.
قال الملك دبلشيم: وما كان أعجب أمرها!
قال بيدبا:
ليس العجب، أيها الملك، فيمن أراد إحراق الغابة ليُخرج منها زعيمها، وإنما العجب فيمن سمع خطته، ثم اطمأن إليه لأنه يُحسن رسم الخرائط!
تنويه من ابن المُبقَّع
جميع قصص «الوعوع والوعواع» وشخصياتها وأحداثها من نسج الخيال، وأي تشابه بينها وبين أشخاص أو وقائع حقيقية هو محض مصادفة.
أما من وجد في إحدى الشخصيات شبهًا بنفسه، فليس عليه أن يطالبنا بتغيير ملامحها، بل أن يُقلّل من أعراض الحَيْوَنَة لديه، حتى يزول الشبه من تلقاء نفسه!










