بالرغم من التوتر المتصاعد بين “حزب الله” والسلطة اللبنانية، وما يحمله من احتمالات مفتوحة على مواجهة شعبية في الشارع، وربما اشتباكات تتجاوز هذا المستوى في حال قررت السلطة الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً من محاصرة “الحزب” أمنياً وعسكرياً، فإن احتمال الانفجار الداخلي لا يزال محدوداً، أقله في المرحلة الحالية. فالأطراف المعنية تدرك أن الدخول في مواجهة من هذا النوع قد يكون سهلاً، لكن السيطرة على نتائجها لن تكون مضمونة، خصوصاً في ظل الظروف الإقليمية المعقدة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن “الثنائي الشيعي” لا يتجه إلى اتخاذ خطوات تصعيدية كبرى في حال قررت السلطة إحالة قضية شاحنة المتفجرات إلى المجلس العدلي، إذ لا يبدو أن هذا الملف، على حساسيته، كافٍ وحده لدفع الأمور نحو مواجهة شاملة. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في القضية نفسها، بل في ما يمكن أن يليها من إجراءات أمنية وقضائية قد يعتبرها “حزب الله” بداية مسار يستهدفه بصورة مباشرة.
غير أن التطور الأبرز في هذا السياق كان موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يمكن اعتباره ضربة سياسية قاسية ل”الحزب” ، بعدما رسم حدوداً واضحة لطريقة تعامله مع الأزمة. فالحد الأول يتمثل في رفضه الانسحاب من الحكومة، بما يعني عدم استعداده للذهاب إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع السلطة، أما الحد الثاني، والأكثر أهمية، فيتمثل في موقفه الداعم للجيش ، خصوصاً عند الحديث عن احتمال تكليف المؤسسة العسكرية بتنفيذ إجراءات قد تؤدي إلى احتكاك مباشر مع “الحزب” .
هذا الموقف يحمل دلالات تتجاوز الخلاف السياسي العابر. فبري، من خلال تمسكه بالجيش ورفضه تحويل الخلاف إلى أزمة حكم، يكون قد سحب عملياً جزءاً أساسياً من الغطاء السياسي الذي كان يمكن أن يستند إليه “حزب الله” في أي مواجهة داخلية. والأهم أنه جعل من احتمال الاشتباك بين “الحزب” والجيش مسألة لا تعني بالضرورة الطائفة الشيعية بمختلف مكوناتها.
وبالتالي، فإن الرهان على حصول انشقاقات داخل المؤسسة العسكرية، أو استقالات واعتكافات في صفوف الضباط والعسكريين الشيعة، يصبح أكثر صعوبة، خصوصاً أن موقف بري يمنح هؤلاء غطاءً سياسياً للاستمرار في أداء واجباتهم العسكرية بعيداً عن الاصطفافات الحزبية. وإذا صح هذا التقدير، فإن “الحزب” يكون قد خسر ورقة مهمة من أوراق الضغط التي يمكن استخدامها في التفاوض مع السلطة.
لكن ذلك لا يعني أن “حزب الله” بات مستعداً للتراجع أو التسليم بالأمر الواقع. فعلى العكس، تشير المعطيات المتداولة إلى أن “الحزب” حسم خياره بالرد عبر تصعيد كبير إذا قررت السلطة تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها، ولا سيما إذا انتقلت الإجراءات من الضغط السياسي والقضائي إلى محاولات فرض وقائع أمنية وعسكرية جديدة.
وعليه، تبدو الساحة اللبنانية أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الصراعات الإقليمية. ف”الحزب” يريد منع السلطة من الذهاب بعيداً، فيما تحاول السلطة تثبيت قدرتها على اتخاذ القرارات وتنفيذها، بينما يسعى بري إلى إبقاء المواجهة تحت سقف لا يهدد المؤسسات.
وفي ظل هذا التوازن الهش، قد لا يكون الانفجار وشيكاً، لكنه يبقى احتمالاً قائماً إذا أخطأ أحد الأطراف في تقدير حدود القوة والضغط. والأخطر أن لبنان قد يتحول مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث يسعى كل طرف إلى استخدام أوراقه الداخلية لتحسين موقعه في معركة تتجاوز حدود البلاد.












