من تحويل الرصيد إلى «الشهر الفاضي»… هل تُصنع القرارات الاستراتيجية بالأرقام والدراسات، أم بالحماسة للأفكار الجديدة؟
أسئلة برسم وزير الاتصالات، وإدارتي «تاتش» و«ألفا»!
من يقرّر فعلياً في وزارة الاتصالات؟ وما حجم تأثير إدارة «ألفا» في توجّهات الوزير وقراراته؟ وهل تُبنى السياسات الاستراتيجية على دراسات اقتصادية وتحليل لسلوك المشتركين، أم تبدأ بفكرة تُطرح، ثم تتحول إلى قرار، قبل أن يُطلب من الشركتين البحث في كيفية تنفيذه؟
السؤال ليس تفصيلاً إدارياً. نحن نتحدث عن قطاع حيوي يمسّ ملايين اللبنانيين، وعن قرارات قد تغيّر سلوك المشتركين، وتؤثر في الإيرادات، وتعيد رسم العلاقة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
قبل اختراع الحلول الجديدة، تذكّروا كيف وصلنا إلى هنا!
قبل نحو عشرين عاماً، كانت كلفة المحافظة على الخط الخلوي لمدة شهر تقارب 47 دولاراً، في مقابل حد أدنى للأجور بحدود 350 دولاراً، فيما كان عدد المشتركين لا يزال في حدود بضع مئات الآلاف، والنمو محدوداً.
عندها تم إطلاق خدمات مثل تحويل الرصيد، التي تمنح المستخدم مرونة في إدارة رصيده وصلاحية خطه. حينها تغيّر السوق وتوسّعت قاعدة المشتركين بشكل كبير.
فكيف نناقش اليوم تغيير قواعد هذه الخدمات، من دون أن نبدأ بالسؤال الأهم: ما الذي يدفع المشترك أصلاً إلى البحث عن بدائل خارج القنوات الرسمية؟
المشكلة ليس لها علاقة بتحويل الرصيد. المشكلة هي ببساطة ناتجة عن الكلفة الرسمية لإبقاء الخط فعّالاً، وفي الفارق بين السعر الرسمي وما يستطيع المشترك تحمّله.
عندما يصبح الحفاظ على صلاحية الخط عبئاً، لا يكفي أن نضيّق الخيارات المتاحة أمام المشترك؛ علينا أن نراجع السعر الذي يدفعه إلى البحث عن بدائل.
اقتراح واضح: شهر كامل بدولارين!
لماذا لا تدرس الوزارة والشركتان خياراً بسيطاً ومباشراً: خفض سعر الشهر المعبّأ من 4.5 دولارات إلى دولارين، بحيث يحصل المشترك على دولارين من الرصيد وشهر كامل من الصلاحية؟
الفكرة ليست قراراً نهائياً وجاهزاً، لكنها بديل واضح يستحق المقارنة الجدية مع المنتجات المطروحة، كما أنها فكرة منطقية تستحق دراسة أثرها المالي والتشغيلي.
ما كلفة هذا الخيار على الإيرادات؟ كم مشتركاً يمكن أن يستفيد منه؟ هل يشجّع على العودة إلى القنوات الرسمية؟ وما أثره في حجم التداول خارجها؟
هذه أسئلة يمكن الإجابة عنها بالأرقام، لا بالانطباعات.
إذا كان السعر الرسمي أكثر ملاءمة، فقد تتراجع جاذبية بعض الممارسات التي يلجأ إليها المشتركون لتوفير كلفة الصلاحية. أما إذا بقيت الكلفة مرتفعة، فإن تغيير أسماء المنتجات وحده لن يعالج الأسباب الاقتصادية التي تحكم سلوك السوق.
«شهر فاضي» و«ستة أشهر فاضية» و«سنة فاضية»… لماذا؟
بحسب المعلومات المتداولة، اتجه النقاش إلى طرح منتجات صلاحية من دون رصيد، بمدد وأسعار مختلفة.
لكن السؤال البديهي: لماذا ننتقل إلى منتجات جديدة ورسوم إضافية قبل أن نختبر بجدية خياراً أبسط، يقوم على تخفيف كلفة الشهر المعبّأ نفسه؟
والأهم: إذا كان الهدف معالجة الاستخدام غير المرغوب فيه لتحويل الرصيد، فهل يكفي تغيير شكل المنتجات، ما دامت خدمات التحويل نفسها ستبقى متاحة؟
بحسب المعلومات المتداولة أيضاً، جرى التراجع عن فكرة إلغاء خدمات التحويل خشية ردّة فعل المشتركين، مع الرهان على تراجع استخدامها تدريجياً. وإذا صحّت هذه المعطيات، فالسؤال هو: هل هذا جزء من خطة مدروسة، أم مجرد تسوية بين فكرة الإلغاء وصعوبة تطبيقها؟
وأين دور مستشاري الوزير؟ وعلى أي أساس تُقدَّم المشورة في ملف بهذا الحجم؟
أما «تاتش»، فالسؤال موجّه أيضاً إلى إدارتها: هل تقدّم رأياً مهنياً مستقلاً، وتناقش الفرضيات والنتائج المحتملة، أم يقتصر دورها على تنفيذ ما يُطلب منها؟
ليس المطلوب أن تتحدى إدارةٌ الوزارة، ولا أن ترفض قراراتها لمجرد الاعتراض. المطلوب أن تمارس مسؤوليتها المهنية، وأن تضع أمام صاحب القرار الحقائق والبدائل والمخاطر، قبل اعتماد أي سياسة جديدة.
الوزير يقرّر، نعم؛ لكن القرار المسؤول يبدأ بدراسة مستقلة، وينتهي بمحاسبة على النتائج.
قطاع الخلوي ليس حقل تجارب، والمشترك ليس رقماً في جدول إيرادات. وأي تغيير في الأسعار أو الخدمات يجب أن يُبنى على بيانات واضحة، وأن يُقاس أثره على المواطن والخزينة والشركتين معاً.
لذلك، السؤال الذي يجب أن تجيب عنه وزارة الاتصالات بوضوح هو:
هل دُرس خيار الشهر المعبّأ بدولارين دراسة جدية، وقورن بالأرقام مع البدائل المطروحة؟ وإذا لم يُدرس، فلماذا؟
هذه ليست معركة بين شركتين، ولا بين إدارة ووزارة. إنها مطالبة بأن تُصنع سياسة الاتصالات على أساس علمي، لا على أساس ردّات الفعل.
لأن إدارة القطاع تعني أن تفهم السوق وتصحّح تشوّهاته، لا أن تستبدل منتجاً ناجحاً وموجوداً في جميع الدول العربية حولنا بمنتج مسخ اسمه «أيام فارغة»، غير طبيعي وغير مألوف، وتنتظر أن تتغيّر النتائج وحدها.













