من كتاب «الوعوع والوعواع» الغراب يُسرّب نعيقه

beirut News25 أكتوبر 2026
من كتاب «الوعوع والوعواع» الغراب يُسرّب نعيقه
ابن المُبقَّع
ابن المُبقَّع

قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: كيف ترى من يدعو إلى إصلاح الأمر، فإذا همّ القوم بإصلاحه كان أوّل المعترضين؟

قال بيدبا:
قد يشكو المرء من عثرة الطريق، ولا يكره منها إلا أنّه لم يكن هو الذي يبيع الناس العكّازات. وله في ذلك حديث الغراب والحرباءة.

قال الملك: وكيف كان ذلك؟

قال بيدبا:

زعموا أنّ الغراب، بعدما اعتاد أن يهمهم للحرباءة فتخرج همهمته إلى الغابة أخبارًا، صار لا يطمئنّ إلى خاطرٍ يمرّ برأسه حتى يراه على ألسنة الببغاوات.

وكانت الحرباءة قد عرفت طبعه؛ فإذا نعب أمالت رأسها إعجابًا، وإذا همهم ضيّقت عينيها كأنّها أبصرت حكمةً لا يراها سواها. ولم تكن تفهم كلّ ما يقول، ولكنّها كانت تعرف أيّ كلامٍ يسبق بها إلى أغصان الأخبار.

وكان الغراب، كلّ صباح، ينعى على مجلس الغابة بطأه، ويشير إلى صخرة تسدّ أقصر الطرق إلى الماء، ويقول:
هذه أحوال الرعية! عطاشٌ يدورون، ومجلسٌ لا يتحرّك!

فتنقل الحرباءة قوله، وتزيد:
وقد هزّ الغراب رأسه أسفًا.

حتى إذا دعا المجلس إلى اجتماعٍ لتوسيع الطريق، وإزاحة الصخرة، وتيسير وصول الصغار والضعفاء إلى المورد، أسرعت إليه بالبشارة.

فانتفض حتى كاد يسقط عن غصنه، وقال:
يجتمعون؟! ومن أذن لهم أن يجتمعوا؟!

فقالت الحرباءة:
ما أدقّ نظرك! لقد حسبتُه إصلاحًا، حتى سمعتُ اعتراضك!

فسكن ريشه، وأخرج لحاءً طويلًا، وأخذ يخطّ عليه إنذارًا، ينهى فيه عن تحريك الصخرة، ويحذّر من تبديل معالم الطريق، ويتوعّد كلّ من مدّ خرطومًا أو حافرًا بأن يؤخذ بما في جحره وما ادّخر لشتائه.

وكلّما قرأ عليها وعيدًا قالت:
هذه وحدها تصلح خبرًا!

وكلّما زاد تهديدًا قالت:
بل هذه صدر الخبر!

حتى انتهى، فقالت وهي تتأمّل طول اللحاء:
ما رأيتُ ورقةً كهذه!

قال: ألقوّة حجّتها؟

قالت: لن تتّسع لها أغصان غيرنا!

ثم اقتربت منه، وخفضت صوتها:
أتخصّني بها قبل الببغاوات؟

فقال:
لكِ السبق، ولها الصدى.

فخرجت الحرباءة تتلوّن بلون العجلة، وصاحت من أعلى شجرة:
إنذارٌ يهزّ الغابة! تفاصيل لم تسمعوها من قبل!

وأمّا الغراب، فما إن غابت حتى نادى ببغاءً كان ينتظر وراء الجذع، ودسّ إليه نسخةً من اللحاء، وقال:
هذه بلغتك من طائرٍ مطّلع، فلا تذكر اسمي.

قال الببغاء:
ولكنّ اسمك في أعلاها!

قال:
اذكره في الإنذار، ولا تذكره في التسريب!

وسرعان ما امتلأت الأشجار بالنعيق المردَّد؛ ببغاءٌ يقول إنّ الغابة على شفير هاوية، وآخر يحذّر من يومٍ لا تبقى فيه ريشةٌ على جناح، وثالثٌ يشرح عواقب تحريك الصخور، وهو لم ينزل إلى الأرض قطّ.

ومرّ ابن آوى، فوجد الغراب يصغي إلى الضجيج في خشوع.

قال:
ألم تكن تريد أن يصل صوت العطاش إلى المجلس؟

قال الغراب:
وها أنت ترى، الغابة كلّها تتحدّث!

فنظر ابن آوى إلى المورد، ثم قال:
ولكنّها تتحدّث عنك. أمّا العطاش فما زالوا يدورون حول الصخرة.

فهمهم الغراب، ثم نادى الحرباءة:
اكتبي أنّ المجلس، منذ إنذاري، لم يجرؤ على تحريك حجر!

قال دبشليم:
وماذا صنعت الحرباءة؟

قال بيدبا:
نشرت الخبر، وتركت العطاش للغد؛ فقد يصلحون لخبرٍ آخر.

قصص «الوعوع والوعواع» وشخصياتها من نسج الخيال؛ فإذا شعر أحدٌ أنّه معنيّ، فما عليه إلا التقليل من أعراض الحيونة حتى يزول الشبه.

المصدر بيروت نيوز