
قال الملك دبلشيم لبيدبا الفيلسوف: كيف يجعل المرءُ لنفسه حقًّا فيما لم يُعطَه، حتى يُطالَب من ينازعه بالدليل، ولا يُطالَب هو به؟
قال بيدبا: يُظهر أنّه ينتظر تسلُّم ما له، ويكتم أنّه يسعى إلى أخذ ما لغيره. فإذا أحسن أعوانُه تمثيلَ الانتظار، شغلوا الناس بموعد التسليم عن السؤال في أصل الحقّ.
قال دبلشيم: اضرب لي مثلًا في ذلك.
قال بيدبا: زعموا أنّ أسدًا كان يحكم غابة، وفيها ضبعٌ طال مقامه، وعرف مسالكها، واتّخذ في نواحيها أعوانًا. وكان كلّما مرّ بالعرين أبطأ عند بابه، ثم مضى يحدّث أصحابه عن حاجة الغابة إلى الاستقرار.
فلمّا مرض الأسد، أكثر الضبع من السؤال عن صحّته، فإذا خرج من عنده قال: نسأل له طول البقاء.
ثم يخفض صوته ويسأل خاصّته: وماذا يقولون في الغابة؟
وكان له خارج الغابة صيتٌ يتعهّده أعوانه؛ أعان قليلًا حيواناتٍ ثارت على ذئبها، فلمّا تخلّصت منه أكثر الحديث حتى كاد السامع يحسب أنّه طرده وحده. وسعى إلى جمع المؤن والمال والسلاح لغابةٍ اجتاحها الطوفان وتسلّط عليها أعداؤها؛ فما حُمِل إليها شيءٌ إلا حملت الببغاوات اسمَه قبله، حتى عرف أهلها خبرَ فضله قبل أن يصلهم شيءٌ من عونه.
وله بين جماعة الجحور إخوانٌ، تتباعد مساكنهم وتصلهم الإرشادات والتوجيهات من جحرٍ واحد.
وأخذ يقول في مجالسه: أطال الله بقاء مولانا؛ فإن خلا مكانه، فللغابة سُنّةٌ تعرف مَن يقوم مقامه.
ثم يسكت، فيتولّى أعوانه شرح ما سكت عنه.
قال له ابن آوى: أَعَهِدَ إليك الأسد بشيء؟
قال: إنّما أتحدّث عمّا تقتضيه مصلحة الغابة.
قال: ومتى صارت مصلحتها أن تؤول إليك؟
فتنهّد الضبع وقال: أتريد أن يخلو العرش فنختلف؟
وكان أعوانه إذا ذُكر العرش قال أحدهم: الغابة أمانة.
فيجيبه آخر: ولا تُترك مفاتيحها في كلّ يد.
ثم يذكر ثالثٌ الضبع، كأنّ اسمه خطر له في تلك اللحظة، فتومئ البقيّة برؤوسها.
قال ابن آوى: أفتّشتم في أمره؟
قالوا: حسبُك أنّنا نأمنه على الغابة.
قال: فأتجعلون مفاتيحها عنده حتى تختار الرعيّة؟
فتبادلوا النظرات، وقال كبيرهم: ومَن قال إنّ المفاتيح إذا استقرّت في يدٍ وجب نقلُها؟
وكان الضبع يسمع من وراء الستار، فلمّا بلغ الحديثُ المفاتيح، مدّ يده.
ثم رأى أن يطوف بجماعات الغابة، يسأل عن أحوالها ويطمئنها إلى أحوال الأسد. وزار مجلسًا يجمع رؤساءها، ليهنّئ القائمين عليه بتولّي أمره، وصحبه ابن آوى.
فأوصاهم بلمّ الشمل، والوقوف على مسافةٍ واحدة من الجميع، ثم سألهم عن عدد جماعاتهم ومَن تُطاع كلمته فيها. فأُعجبوا بعنايته، وفصّلوا له ما سأل.
وقال كبيرهم: ونرجو أن تُعيننا على إيصال حاجاتنا إلى مجلس الغابة.
قال الضبع: احملوها إليّ، وأنا أبلّغها.
وفي طريق العودة، قال ابن آوى: تدعوهم إلى الوقوف على مسافةٍ واحدة من الجميع، ثم تجعل طريقهم إلى المجلس يمرّ بك؟
قال الضبع: لا بدّ للشمل ممّن يجمعه.
ولمّا عاد، أملى على كاتبه أسماء الجماعات والمُطَاعين فيها، وأمره أن يترك بجانب كلّ اسمٍ موضعًا لعلامة.
وكان يومه للزيارات، فإذا هبط الضباب خرج رسله؛ يحمل أحدهم إلى جماعةٍ أنّ جيرانها يستعدّون للاستئثار بالمرعى، ويحمل الآخر إلى الجيران أنّ الجماعة تريد منعهم عن الماء.
فإذا ارتفعت الأصوات، ظهر الضبع يدعو إلى الصلح، وتقدّمته الببغاوات تصيح: جاء جامع الشمل!
قال له ابن آوى: نراك عند الصلح، ولا نجد لك أثرًا حين تبدأ الخصومة.
قال الضبع: من طباعنا التخفّي.
قال: ولكنّ رسلك لا يضلّون الطريق في الضباب.
فقال الضبع، وهو يتأمّل أظفاره: حسبُ الرعيّة أن تعرف مَن جمعها.
قال ابن آوى: وإن سألت عمّن فرّقها؟
قال الضبع: يكون قد شغلها شكرُ مَن أصلح بينها.
ثم فتح سجلّ الجماعات، ووضع علامةً إلى جانب اسمين.
وتفرّقت الببغاوات بين النهر والمرعى والجحور، تردّد فضائل الضبع، حتى ألفت الحيوانات اسمَه مقرونًا بالعرش، وصار مَن يقترح غيره مطالبًا بتفسير اقتراحه.
وكان الضبع يفاخر خواصّه قائلًا: ولي من الذباب جندٌ لا يُحصى؛ ما أشرتُ إلى رأسٍ إلا طنّوا حوله حتى ضاق بنفسه.
قال ابن آوى: وما حاجتك إلى الذباب وقد ملأتَ الغابة بالببغاوات؟
قال الضبع: الببغاوات تُسمعهم ما أريد.
قال: والذباب؟
فضحك وقال: يُنسيهم ما أرادوا أن يقولوا.
وذات مجلس، سأله ابن آوى: إن جفّ مورد الغابة، كيف توصل الماء إلى نواحيها؟
فلم يُجب الضبع، وإنّما حرّك طرف ذيله، فانقضّ الذباب على السائل من كلّ وجه. أخذ يدفعه عن عينيه، فيدخل أذنيه، ويحمي أذنيه، فيحوم عند فمه، حتى قام وانصرف.
فتعالت الببغاوات: جاء يحاوره، فعجز وانصرف!
وهزّ الضبع رأسه متأسّفًا: آفتهم أنّهم لا يحتملون النقاش.
وشهدت الحيوانات ما جرى، فصار مَن عرض له سؤالٌ يتلفّت حوله قبل أن ينطق به. ثم كثر الصامتون في مجالس الضبع، فعدّهم أعوانه في جملة الموافقين.
وارتفع النداء: نبايع الضبع!
وكان الأسد ما يزال في عرينه.
فطأطأ الضبع رأسه وقال: ما طلبتُها، ولكنّ للرعيّة إرادتها.
وكانت سلحفاة عجوز تسمع ولا تصيح. فقالت للأرنب: ومَن جعل مفاتيح الغابة له؟
قال: أما تسمعين الجميع ينادون باسمه؟
قالت: سألتك عمّن أعطاه الحقّ، فأجبتني عمّن ردّد الدعوى.
وبلغ الضبعَ قولها، فأشار إلى جنده، فأحاط بها الذباب. فأدخلت رأسها في قوقعتها، وقد التقطت الحيوانات سؤالها.
فظلّ الذباب يدور حول القوقعة، والسؤال يدور في الغابة.
قال بيدبا: وهكذا يا مولاي؛ قد يُسكت الطنينُ صاحبَ السؤال، ولكنّه لا يُجيب عنه. وليس كلُّ صمتٍ بيعةً، ولا كلُّ ضجيجٍ حقًّا.
قصص الوعوع والوعواع وشخصياتها من نسج الخيال؛ فإذا شعر أحدٌ أنّه معنيّ، فما عليه إلا التقليل من أعراض الحيونة حتى يزول الشبه.










