إيرادات الخلوي ترتفع، ومشتركو التشريج يتحمّلون العبء الأكبر بحسب المعطيات المتداولة. فلماذا لا يعود جزء من هذه الزيادات إلى المواطن؟
إذا كان الجزء الأول قد طرح سؤال من يصنع القرار في وزارة الاتصالات، فإن الجزء الثاني يطرح السؤال الأكثر حساسية: ما الفلسفة التي تحكم هذا القرار؟ هل الهدف إدارة قطاع اتصالات مستدام، أم مواصلة البحث عن إيرادات إضافية، حتى عندما تكون كلفتها على أصحاب الدخل المحدود مرتفعة؟
بحسب المعطيات المتداولة، ارتفعت إيرادات قطاع الخلوي خلال السنوات الأربع الأخيرة بنحو 40 مليون دولار سنوياً. وتفيد معلومات موثوقة بأن الشريحة الوحيدة التي تسجّل نمواً في إيراداتها هي شريحة مشتركي الـPrepaid، أي أصحاب الخطوط مسبقة الدفع. وبحسب هذه المعلومات، فإن الزيادة السنوية المجمّعة لدى الشركتين، والمقدّرة بنحو 40 مليون دولار، ناتجة مباشرة عن هذه الشريحة.
الـPrepaid ليس خزنة مفتوحة!
مشتركو التشريج ليسوا جميعاً من ذوي الدخل المحدود، لكن هذه الشريحة تضم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يعتمدون على ميزانيات شهرية ضيقة، ويحسبون كلفة الاتصالات بالدولار.
بالنسبة إلى هؤلاء، قد لا يكون الفرق بين 4.5 دولارات ودولارين تفصيلاً بسيطاً. إنه فرق يتكرر شهرياً، ويتضاعف مع تعدد الخطوط داخل الأسرة.
وهنا تكمن المفارقة: إذا كانت الإيرادات ترتفع بصورة كبيرة، وإذا كانت الزيادة تتركز في قطاع الـPrepaid، فلماذا لا نناقش إعادة جزء من هذه الزيادة إلى المشترك من خلال أسعار أكثر ملاءمة؟
هل المطلوب أن يستمر المواطن في دفع المزيد كلما احتاج إلى المحافظة على خطه؟ وهل أصبحت زيادة الإيرادات هدفاً قائماً بذاته، بمعزل عن القدرة الشرائية للمشتركين؟
ماذا حصل في ملف منتجات الصلاحية؟
الأسئلة تزداد أهمية عند الانتقال إلى ملف منتجات الصلاحية الجديدة.
بحسب المعلومات المتداولة، وجّه وزير الاتصالات نهار الأربعاء 14 تشرين الأول 2026، الساعة الرابعة بعد الظهر، رسالة رسمية إلى الشركتين، طالباً دراسة منتجات صلاحية من دون رصيد، بالأسعار الآتية، شاملة الضرائب:
– شهر واحد: 3 دولارات.
– ستة أشهر: 12 دولاراً.
– سنة كاملة: 20 دولاراً.
وتفيد المعلومات نفسها بأن الشركتين اقترحتا أسعاراً أعلى بنحو 40% من الأسعار التي طلب الوزير دراستها.
إذا كانت هذه المعلومات دقيقة، فالسؤال ليس ما إذا كان من حق الشركتين تقديم أسعار مختلفة. من الطبيعي أن تضعا تقديراتهما المالية والتشغيلية أمام الوزارة. السؤال هو: ما المبررات التي استندت إليها الأسعار المقترحة؟
هل أظهرت النماذج المالية أن أسعار الوزير غير قابلة للاستمرار؟ هل توجد تكاليف محددة تفسّر الفارق؟ هل احتُسبت مرونة الطلب واحتمالات انتقال المشتركين بين المنتجات؟ أم أن الاقتراح الأعلى يحقق إيرادات أكبر من دون أن تكون نتائجه على السوق قد دُرست بما يكفي؟
لماذا لا نقوم بالخطوة المنطقية؟
لماذا لا تعتمد الوزارة والشركتان الحل البسيط الذي تقوم عليه عروض مشابهة لدى مشغّلي الخلوي في الدول العربية المحيطة بنا؟
إطلاق شهر معبّأ بسعر دولارين، يتضمّن دولارين من الرصيد وشهر صلاحية كامل، بالإضافة إلى وضع ضوابط ذكية على خدمات تحويل الرصيد، مثلاً تحديد سقف شهري لا يتجاوز 10 دولارات للمبالغ التي يحقّ لكل مشترك تحويلها أو تلقّيها، وهذا ما سيقتل فوراً ونهائياً السوق الموازية ويحقّق هدف وزير الاتصالات.
هذا هو الحل المنطقي الذي يستحق الدراسة الجدية، بدلاً من تعقيد السوق بمنتجات صلاحية فارغة.
والمطلوب دراسة تأثير هذا الخيار على الإيرادات، وعدد المشتركين المستفيدين، وحجم استخدام خدمات تحويل الرصيد، وخاصة أثره على أصحاب الدخل المحدود.
بهذه الطريقة يصبح القرار مبنياً على تقييم واضح لنتائجه الاقتصادية والاجتماعية، بدل الانتقال إلى منتجات جديدة قبل معالجة الأسباب التي تدفع المشترك إلى البحث عن بدائل أقل كلفة.
من يحمي المصلحة العامة في معادلة التسعير؟
وزارة الاتصالات ليست مطالبة بتحقيق أعلى إيراد ممكن في كل منتج بمعزل عن النتائج الأخرى. كما أن الشركتين ليستا مطالبتين بتقديم أسعار غير قابلة للاستمرار مالياً.
المطلوب هو تحقيق توازن بين الاستدامة المالية، ومصلحة الدولة، وجودة الخدمة، والقدرة الشرائية للمشترك.
إذا كانت الأسعار المقترحة من الشركتين أعلى من تلك التي طلبتها الوزارة، فمن حق الرأي العام أن يعرف الأساس الاقتصادي لهذا الفارق، بعيداً عن الاتهامات غير المسندة وبعيداً عن الاكتفاء بعبارة «هذه هي الكلفة».
ولكن المشكلة أعمق من سوء الإدارة: الجشع والطمع في زيادة الإيرادات أصبحا أشبه بالإدمان! الدولة والوزارة والشركتان عم يفتّشوا باستمرار عن إيرادات إضافية، ولو على حساب ذوي الدخل المحدود، بدل التفكير بتخفيف الأعباء عنهم.
هذه ليست مطالب شعبوية، ولا دعوة إلى خفض الأسعار بلا حساب. إنها أبسط قواعد الإدارة الرشيدة لقطاع يلامس الحياة اليومية لملايين الناس.
الخلاصة: لا يكفي أن نعرف كم ستجني الدولة والشركتان من كل منتج جديد؛ يجب أن نعرف أيضاً كم سيدفع المواطن، ولماذا، وما البدائل التي جرى رفضها وعلى أي أساس.
القضية مش Credit Transfer ولا شهر فاضي أو سنة فاضية. القضية فلسفة إدارة قطاع كامل: هل نعالج التشوّهات الاقتصادية من جذورها، أم نواصل اختراع منتجات ورسوم جديدة لزيادة الإيرادات على حساب المواطن؟
قطاع الاتصالات ليس آلة لتحصيل الإيرادات فقط، والمواطن ليس مورداً مالياً مفتوحاً. النجاح الحقيقي لا يُقاس بزيادة الإيرادات وحدها، بل بقدرة القطاع على تحقيق إيرادات مستدامة، وخدمة أفضل، وأسعار أكثر عدالة، وقرارات يمكن الدفاع عنها بالأرقام.
قطاع الخلوي مش حقل تجارب، والمشترك، خصوصاً صاحب الدخل المحدود، مش خزنة مفتوحة كل ما بدنا مصاري إضافية منمدّ إيدنا عليها.












