في بلدٍ يُفترض أن يكون القانون فيه فوق الجميع، تعود قضية الموقوفين الإسلاميين لتفتح جرحاً قديماً لم يلتئم، جرح العدالة الانتقائية التي تُفصَّل على قياس السياسة وتُدار بعقلية المحاصصة لا بمنطق الدولة.
رسالة هيئة علماء المسلمين في لبنان إلى المجلس النيابي لم تكن مجرد موقف عابر، بل صرخة في وجه نظام يصرّ على إدارة ملف إنساني وقضائي بهذه الخطورة بمنطق الكيل بمكيالين.
المعادلة التي تُطرح اليوم فاضحة: عفوٌ “مدروس” يشمل من تشاء السلطة أن تشملهم، ويستثني من لا يندرجون ضمن حساباتها السياسية.
أي عدالة هذه التي تتحوّل فيها القوانين إلى أدوات تصفية حسابات؟ وأي دولة تلك التي تفرّق بين موقوف وآخر على أساس الخلفية والانتماء؟
الحديث عن الموقوفين الإسلاميين ليس تفصيلاً. هو ملف يتراكم منذ سنوات، مليء بثغرات قانونية، وتأخيرات قضائية، ومحاكمات لم تُنجز، وأحكام لم تصدر.
آلاف الأيام قضاها موقوفون خلف القضبان من دون حسم قانوني واضح، في وقت تُنجز فيه ملفات أخرى بسرعة قياسية عندما تتوافر “الإرادة السياسية”.
رسالة الهيئة جاءت مباشرة: أي عفو عام لا يشمل هؤلاء الموقوفين هو عفو ناقص، بل هو تكريس لنهج استهداف مزمن بحق شريحة واسعة من اللبنانيين، وتحديداً في البيئة السنية.
وهنا بيت القصيد. فالقضية لم تعد قانونية فقط، بل باتت تُقرأ في سياق شعور متنامٍ بالغبن، بأن هناك من يُحاكم مرتين: مرة في القضاء، ومرة في السياسة.
لكن الأخطر من ذلك، هو صمت الدولة أو تواطؤها. المجلس النيابي الذي يُفترض أن يكون سلطة تشريعية جامعة، يقف مرة جديدة أمام اختبار العدالة، فإما أن يقر قانوناً شاملاً يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة، أو يكرّس الانقسام ويغذّي الاحتقان. لا منطقة رمادية هنا.
السلطة تدرك جيداً حساسية هذا الملف، لكنها تتعامل معه كقنبلة مؤجلة، تُرحّل من جلسة إلى أخرى، ومن حكومة إلى أخرى، وكأن الوقت كفيل بإطفاء النار.
لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً: التأجيل لا يُطفئ الأزمات، بل يُخمّرها.
ثم يأتي السؤال الذي يتجنّب كثيرون طرحه: لماذا يصبح العفو العام مقبولاً في حالات، ومحرّماً في حالات أخرى؟ لماذا تُفتح أبواب التسويات على مصراعيها عندما تتعلق بجهات معينة، وتُغلق بإحكام عندما يتعلق الأمر بالموقوفين الإسلاميين؟ هل هي صدفة؟ أم سياسة ممنهجة؟
المفارقة أن الخطاب الرسمي يتغنّى بالدولة والمؤسسات، بينما الممارسة اليومية تنسف هذا الشعار. فلا دولة تُبنى على استثناءات، ولا عدالة تقوم على الانتقائية.
إما أن يكون القانون للجميع، أو لا يكون.
رسالة هيئة علماء المسلمين في لبنان وضعت الكرة في ملعب الدولة بوضوح: إما عفو شامل لا يستثني أحداً ضمن معايير قانونية عادلة، أو مواجهة تداعيات قرار سيُقرأ حتماً على أنه استهداف سياسي وطائفي.
في النهاية، المسألة ليست دفاعاً عن فئة بقدر ما هي دفاع عن مبدأ.
فحين تسقط العدالة في ملف، تسقط في كل الملفات. وحين يُشرَّع الظلم مرة، يصبح قاعدة لا استثناء.
لبنان اليوم أمام خيار واضح: دولة قانون… أو دولة انتقائية. وما بينهما، لا شيء سوى مزيد من الانقسام والانفجار المؤجل.













