دخلت الإدارة الجديدة إلى قطاع الاتصالات على وقع وعود كبيرة بالإصلاح والشفافية ووضع حدّ لسنوات طويلة من الهدر والاختلالات الإدارية.
يومها، رُفعت السقوف عالياً، وقيل إن مرحلة جديدة بدأت عنوانها الحوكمة والمحاسبة وإنهاء زمن المحسوبيات.
لكن اليوم، وبعد مرور تسعة أشهر على تسلّم الإدارة الجديدة مهامها، يطرح العاملون في القطاع والمتابعون لشؤونه السؤال نفسه: أين هي نتائج الإصلاح الموعود؟ وما الذي تغيّر فعلياً على أرض الواقع؟
وهل أدّت أولوية التحضير لمزايدة إدارة شركتي الخلوي إلى تأجيل الإصلاحات المطلوبة؟ أم أن هذه الإصلاحات تبقى واجبة وضرورية لتحسين شروط المزايدة المرتقبة وضمان نجاحها؟
فبدلاً من أن تنحسر الشبهات والاعتراضات، يبدو أن ملفات جديدة تتوالد داخل الشركات والوزارة، فيما تتراكم علامات الاستفهام حول التعيينات والترقيات وإدارة الموارد البشرية وملفات الأرقام المميزة، فضلاً عن عودة بعض الأسماء المثيرة للجدل إلى مواقع مؤثرة، ما يشير، وفق منتقدين، إلى وجود «دولة عميقة» تعمل خلف الكواليس وتقاوم أي تغيير حقيقي.
التعيينات الحساسة: بصمات الدولة العميقة
في قلب الجدل الحالي يبرز ملف منصب إداري رفيع داخل إحدى شركتي الاتصالات.
فبحسب معطيات متداولة داخل الشركة، يقترب المسؤول الحالي (أ.ع) من سن التقاعد بعد أن استفاد من تمديد استثنائي لمدة ستة أشهر، قبل أن يُعلن مجدداً عن فتح باب الترشح للمنصب، رغم وجود مناصب شاغرة أكثر حساسية وأهمية في هذه المرحلة.
لكن ما يثير الريبة لدى عدد من الموظفين أن المنافسة، وفق روايتهم، تبدو أقرب إلى إجراء شكلي منها إلى عملية اختيار حقيقية، في ظل حديث متزايد عن مرشح يدعى (ش.ن)، الحائز شهادة في المجال الفندقي، يُقال إن حظوظه حُسمت مسبقاً، رغم وجود موظفين يتمتعون بخبرات وشهادات وأقدميات طويلة داخل المؤسسة والقسم نفسه.
ويرى منتقدون أن مثل هذه التعيينات تشكل إحدى أبرز الآليات التي تضمن استمرار النفوذ داخل المؤسسات، وتُبقي مراكز القرار بعيدة عن معايير الكفاءة والاستحقاق.
كما تتردد في هذا السياق إشارات إلى دور يُنسب لشخصيات نافذة في الدفع نحو خيارات إدارية محددة وتأمين مواقع متقدمة لمقربين منها، وهي روايات متداولة داخل أوساط الشركة وتنتظر بطبيعة الحال أي توضيح رسمي بشأنها.
«حاجة العمل»: ذريعة للاستثناءات؟
على مدى سنوات، استُخدمت عبارة «حاجة العمل» لتبرير تمديد خدمات عدد من المسؤولين بعد بلوغهم سن التقاعد.
غير أن منتقدي هذه السياسة يسألون اليوم: إذا كانت المؤسسات استمرت في العمل بعد مغادرة مسؤولين ومديرين سابقين، فلماذا تتحول «حاجة العمل» إلى ضرورة قصوى عند بعض الأسماء دون غيرها؟
ويشير هؤلاء إلى أن عشرات الموظفين من أصحاب الخبرة الطويلة يتولون مهامهم بصورة طبيعية، فيما تُستحضر الحجج الاستثنائية فقط عندما يتعلق الأمر بمراكز أو شخصيات محددة، ما يعزز الشكوك حول وجود معايير مزدوجة في إدارة الموارد البشرية.
سقوط الذرائع القانونية القديمة
زاد قرار مجلس شورى الدولة المتعلق بآلية براءات الذمة من تعقيد بعض الترتيبات الإدارية التي كانت تعتمد سابقاً لتبرير تمديدات أو استثناءات معينة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن القرار أسقط إحدى الذرائع التي طالما استُخدمت في ملفات حساسة، ما جعل أي محاولة لإعادة إنتاج الآليات السابقة أكثر صعوبة من الناحية القانونية، وفتح الباب أمام مساءلة أوسع.
وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول دور (ش.ح)، مديرة القسم القانوني في إحدى الشركات، والتي يتهمها منتقدون بالتسبب بخسائر تتجاوز 100 ألف دولار سنوياً تتحملها الشركة، إضافة إلى قرارات قانونية مثيرة للجدل أو حالات إهمال يعتبرها البعض موثقة.
كما يُشار إلى أن (ش.ح)، التي تربطها صلة قرابة بأنطوان حايك، مستشار الوزير السابق نيكولاس صحناوي، كانت موضع انتقادات حادة من قبل (خ.م)، عضو هيئة الشراء في الوزارة، الذي تحدث في تسجيلات موثقة عن ملاحظات تتعلق بأدائها المهني وكفاءتها.
ويطرح استمرار وجود شخصية بهذا التأثير القانوني، وبهذه الكلفة على المال العام وفق الاتهامات المتداولة، تساؤلات جدية حول فعالية الرقابة الداخلية والخارجية داخل القطاع.
تعيين جوزيف أبو رجيلة في Alfa: بداية تغيير أم تبديل أسماء؟
في خضم هذه التحديات، يأتي تعيين جوزيف أبو رجيلة بمنصب Chief Strategy Officer في شركة Alfa ليثير تساؤلات حول إمكان إحداث تغيير فعلي داخل الشركة.
فهل يشكل هذا التعيين خطوة نحو استراتيجية جديدة قائمة على الكفاءة والشفافية؟ أم أنه مجرد تغيير في الوجوه ضمن منظومة لا تزال تعاني المشكلات الهيكلية نفسها؟
يأمل المتابعون أن يشكل هذا التعيين بداية مرحلة جديدة تعيد الثقة إلى قطاع الاتصالات وتضع حداً للمحسوبيات والتعيينات المثيرة للجدل.
دعوة للتحرك: متى تستفيق أجهزة الدولة؟
إن استمرار هذه الممارسات، وتراكم ملفات الفساد المزعومة، يضع أجهزة الدولة الرقابية والقضائية والأمنية أمام مسؤولياتها.
فديوان المحاسبة ومجلس شورى الدولة مدعوان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى التحرك الجدي والحاسم، لا سيما أن (خ.م)، عضو هيئة الشراء في الوزارة، أكد في تسجيلات موثقة أنه لجأ إلى كل من ديوان المحاسبة ومجلس شورى الدولة.
وبذلك، تصبح الكرة في ملعب هذه المؤسسات: فهل ستتحرك لفتح الملفات المثارة، من تجارة الأرقام المميزة وهدر المال العام إلى القضايا المتعلقة بأداء بعض المسؤولين والموظفين؟
إن الشفافية والمساءلة تبقيان السبيل الوحيد لاستعادة الثقة في قطاع الاتصالات، وحماية المال العام، ووقف أي نزيف محتمل في موارد الدولة.
فهل نشهد أخيراً تحركاً جدياً يضع حداً لهذه الملفات، أم أن الصمت سيبقى سيد الموقف؟













