‏المفاوضات على الحافة: لبنان بين اختبار القرار السيادي ومناورة الشروط الإسرائيلية

beirut News15 أبريل 2026
‏المفاوضات على الحافة: لبنان بين اختبار القرار السيادي ومناورة الشروط الإسرائيلية
زياد الغوش
زياد الغوش

‏يدخل لبنان مرحلة تفاوضية دقيقة تشبه السير فوق حبل مشدود: فرصة سياسية إن أُحسن استثمارها، ومخاطرة استراتيجية إذا أُسيء التعامل معها. فالتفاوض، في هذه اللحظة تحديداً، ليس مجرد قناة اتصال تقنية، بل ساحة صراع إرادات إقليمية ودولية تُرسم فيها حدود الدور اللبناني وحدود تأثير الآخرين عليه.

‏اللافت أن الدولة اللبنانية تحاول هذه المرة الإمساك بقرارها التفاوضي بيدها، بعيداً عن المظلة الإيرانية التقليدية التي لطالما وُضعت فوق ملفات حساسة مشابهة. هذا التحول، إن استمر، قد يمنح بيروت هامشاً إضافياً للمناورة، خصوصاً إذا بقي خط التواصل الأميركي – الإيراني مفتوحاً، بما يخفف من احتمالات تحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات بالواسطة.

‏لكن في المقابل، لا تبدو المقاربة الإسرائيلية خالية من الرسائل السياسية المبطّنة. فطرح ملفات التعاون الاقتصادي، على غرار ما حصل خلال اجتماع “الميكانيزم” الذي مثّل فيه لبنان السفير سيمون كرم، يأتي في توقيت بالغ الحساسية: قرى جنوبية مدمّرة، سكان نازحون، ونقاط حدودية ما تزال تحت الاحتلال.

‏وهو طرح يثير شبهة محاولة الالتفاف على أولويات التفاوض الأمنية والسيادية، أكثر مما يعكس استعداداً فعلياً للدخول في تسوية جدية ومتوازنة.

‏هنا يبرز السؤال الحقيقي: هل الهدف الإسرائيلي دفع لبنان إلى مسار تفاوضي منتج، أم إضعاف موقع الدولة اللبنانية بما يفتح الباب مجدداً أمام عودة “حزب الله” أو حتى إيران كشريك تفاوضي غير مباشر؟
‏في الداخل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما تظهره المواقف العلنية.

‏فرغم اعتراض “حزب الله” المتوقع وتشديد ارتباطه السياسي بإيران، تشير الوقائع إلى أن لبنان الرسمي يسير نحو خيار التفاوض، بموافقة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو أحد أعمدة “الثنائي الشيعي”، ما يمنح هذا المسار غطاءً سياسياً يصعب تجاهله.

‏أما رئيس الجمهورية جوزيف عون، فقد أعطى موافقته على مبدأ التفاوض المباشر، لكن ضمن شرط واضح وحساس: عدم إشراك أي مفاوض شيعي في الوفد الرسمي، في خطوة تحمل دلالات سياسية تتجاوز الشكل إلى مضمون الرسائل الموجهة داخلياً وخارجياً.

‏المفارقة اللافتة أن وزراء حركة “أمل” يواصلون المشاركة بفاعلية داخل الحكومة، في وقت يتهم فيه “حزب الله” رئيسها نواف سلام بخيارات سياسية يرفضها.

‏وفي السياق نفسه، يتوجه وزير المال ياسين جابر إلى واشنطن للمشاركة في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، من دون أن يقدم وزراء الحزب على أي خطوة انسحابية من الحكومة، رغم السقف العالي من التصعيد السياسي والإعلامي.

‏كل ذلك يعكس حقيقة أساسية: لبنان دخل فعلياً مرحلة تفاوضية جديدة، لكن من دون إعلان رسمي واضح. مرحلة تختبر قدرة الدولة على تثبيت موقعها شريكاً كاملاً في ترتيبات الأمن الحدودي، لا مجرد ساحة تُدار من خارجها.

‏وفي هذا الاختبار تحديداً، ستكون المفاوضات سلاحاً ذا حدّين: إمّا فرصة لاستعادة القرار الوطني، أو بوابة لإعادة إنتاج الوصايات بأشكال مختلفة.

المصدر بيروت نيوز