على مذبح محفل التنقير

beirut News10 أكتوبر 2026
على مذبح محفل التنقير
زوديك غوشيان
زوديك غوشيان

الأرشمندريت موريس وفتوى الهَمَّاز المشّاء
يبدو أن الأرشمندريت موريس قد انتهى من إصلاح المؤسسات، وفرغ من هندسة المراحل الانتقالية، وأرجأ انشغاله بشروط الإفتاء، ليتفرغ لمهمة أكثر إلحاحًا: تعليم الناس أصول النقد البنّاء، والتمييز بين الناقد المهذب والقادح المشّاء.

وهكذا اعتلى صاحبنا مذبح محفل التنقير، وفتح كتاب المواعظ، استعدادًا لإلقاء عظة في فضائل النقد البنّاء، قبل أن يعلن اكتشافًا أخلاقيًا عظيمًا: هناك فرق بين نقد الأفعال والتعرض للأشخاص!

يا لها من بشرى! لقد انتظرت البشرية كل هذه القرون حتى يأتي الأرشمندريت موريس، حاملًا منقاره، ليكشف أن الحجة غير الشتيمة، وأن النقد غير التشهير!

لكن العظة لم تتوقف هنا. فقد اختار صاحبنا عنوانًا جمع فيه بين “الناقد البنّاء” و”القادح المشّاء”، مستحضرًا قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾.

وهنا تبدأ المفارقة التي ربما غابت عن صاحب النيافة؛ فقد استوقفه من الآية لفظ “المشّاء”، بينما ترك “هَمَّاز” وراءه، مع أن الهمز قد يقع بالتلميح كما يقع بالتصريح. أفلا يستحق هذا اللفظ نصيبًا من عظة النقد البنّاء، ولا سيما حين يُذمّ شخصًا دون تسميته، وتُترك للقارئ مهمة التعرف إليه؟

وهكذا اعتلى الأرشمندريت مذبح النقد البنّاء ليحذّر من القدح، فإذا بالهمز يطلّ من بين سطور العظة مرتديًا ثياب الفضيلة!

ولأن صاحب النيافة اختار أن يكون النقد “بنّاءً”، فقد توقعنا أن يدخل الورشة حاملًا مخططًا للإصلاح، فإذا به يخرج فرجاره لقياس نيات المنتقدين، وزاويته القائمة لتقويم آرائهم، ومطرقته لتهذيب ألسنتهم!

ثم أعلن امتحانه العظيم للموضوعية: احذف اسم الشخص، وضع اسمًا آخر مكانه، فإن بقي النقد صالحًا فهو نقد بنّاء، وإلا فهو هجوم شخصي.

وهنا كدنا نسقط إعجابًا!

ولأننا حريصون على احترام المعايير التي تفضّل صاحب النيافة بوضعها، قررنا إخضاع مقالاتنا لامتحانه. فحذفنا اسم الأرشمندريت موريس، ووضعنا مكانه “نقّار الخشب”، ثم أعدنا قراءة النقد، فإذا بالحجج قائمة، والأسئلة في مواضعها، ولم يسقط حجر واحد من البناء!

وبذلك، ووفق المعيار الموريسي نفسه، اجتزنا امتحان النقد البنّاء بامتياز، ونلنا شهادة الموضوعية موقّعة بمنقار صاحب النيافة شخصيًا!

لكن المفارقة الأعمق أن معيار استبدال الأسماء نفسه لا يستقيم منطقيًا. فلو انتقدنا مسؤولًا لاتخاذه قرارًا، ثم وضعنا مكانه اسم رجل لم يتخذ القرار، لبطل النقد وفق هذا الميزان العجيب!

يا صاحب النيافة، الوقائع ليست ثيابًا مستعملة نتبادلها بين الأشخاص، والمسؤوليات ليست عمائم نضعها على رأس من نشاء. فلكل قرار صاحبه، ولكل موقف تاريخه. وما يجعل النقد موضوعيًا ليس تبديل الأسماء، بل صحة الوقائع وسلامة الاستدلال.

والأعجب أن الأرشمندريت يشرح كيف يسأل الناقد البنّاء: ما الخطأ؟ ولماذا وقع؟ وكيف يُصلح؟

حسنًا، فلنطبق الوصية الموريسية.

ما الأساس القانوني للمقترحات المتعلقة بإدارة دار الفتوى؟ وما الضمانات التي تمنع تحول المرحلة الانتقالية إلى وصاية دائمة؟ ومن يملك صلاحية تحديد القائمين عليها؟ وكيف تتوافق هذه الترتيبات مع الأصول التي تحكم المؤسسة؟

هذه أسئلة عن الأفكار والاختصاصات، لا عن ملامح أحد أو حياته الخاصة. وهي، وفق تعريف الأرشمندريت نفسه، من صميم النقد البنّاء.

فهل يتكرم بجواب؟ أم أن وظيفة المنقار أن ينقر الأسئلة حين يطرحها، ثم يتحول إلى ريشة ناعمة عندما يحين وقت الإجابة؟

ولعل أطرف مشاهد العظة تحذيره من صرف الأنظار عن القضية الأصلية، ثم انصرافه إلى تصنيف المنتقدين ووضع امتحانات لنياتهم، بينما تبقى المسائل المؤسسية بلا جواب.

يُسأل الأرشمندريت عن الفكرة، فيحدثنا عن آداب السؤال. ويُطلب منه المستند، فيشرح الفرق بين النقد والقدح. ويُناقش اقتراحه، فيفتح فصلًا جديدًا في التربية الأخلاقية!

ولا خلاف على صون الكرامات ورفض الاتهام بغير دليل، لكن صون الكرامة لا يعني تحصين التاريخ الوظيفي من المساءلة. فنحن حين تناولنا أداء صاحب النيافة في عمله القضائي السابق، لم نقتحم حياته الخاصة، بل ناقشنا جانبًا من تجربته المهنية، وهي تجربة تدخل في صميم تقويم الأهلية لمن يطمح إلى اعتلاء موقع المرجعية الدينية.

يا صاحب النيافة، من حق الناس أن يسألوا عن أدائك بالأمس قبل أن يستمعوا إلى مواعظك عن الإصلاح اليوم. فالمرجعية الدينية لا تقوم على الوعظ وحده، ولا تُقاس أهلية طالبها بما يعد به للمستقبل مع إغفال ما أنجزه في الماضي. وليس كل نقد للسيرة المهنية قدحًا، كما أن صون الكرامة لا يستلزم تعطيل المساءلة.

وهنا تكمن المفارقة: فصاحب النيافة، الذي انبرى لتعليم الآخرين أصول النقد البنّاء، لم يقدم في مقالته جوابًا عن الوقائع التي تناولتها الانتقادات، ولم يناقش ما أُثير بشأن أدائه المهني السابق، بل انصرف إلى تصنيف النقد وتحديد شروط قبوله، وكأن المشكلة في طريقة طرح الأسئلة لا في مضمونها.
وليس المطلوب من الأرشمندريت موريس أن يستحسن ما يُكتب عنه، بل أن يواجه الوقائع بوقائع، والحجج بحجج، وأن يدرك أن الطموح إلى المرجعية الدينية يضع السيرة المهنية والمواقف العامة في دائرة المساءلة، لا خارجها.

أما تحويل النقد البنّاء إلى محفل لتوزيع شهادات الموضوعية، فلن يغيّر من حقيقة أن الأسئلة المطروحة ما زالت تنتظر أجوبتها.

يا صاحب النيافة، ليست المشكلة في أن الآخرين لا يعرفون أصول النقد البنّاء، بل في أنك تريد أن تحدد لهم ما يجوز نقده وما ينبغي السكوت عنه. أما الأسئلة المتعلقة بالمواقف والأداء، فلن تسقط بتصنيف أصحابها أو الوعظ في آداب الحوار.

فالنقد البنّاء لا يُقاس بعدد المواعظ التي تُلقى في فضائله، وإنما بقدرة صاحبه على مواجهة الحجة بالحجة. وأما النقر في الخشب، مهما اشتد وقعه، فلن يصنع عمارة!

المصدر بيروت نيوز