
قال الملك دبلشيم للفيلسوف بيدبا: أخبرني كيف تنتشر الشائعة، ولِمَ يصدّقها الناس، وليس في أيديهم عليها بيّنة؟
قال بيدبا: قد يصدّق المرء من الأخبار ما تمنّى وقوعه، ثم يسعى في إذاعته حتى يسمعه من غيره، فيطمئنّ إلى أنّه صحيح. ومن ذلك حديث الغراب والحرباءة.
قال الملك: وكيف كان ذلك؟
قال بيدبا: زعموا أنّ الظبي، بعدما جاء بالدواء للأسد، بقي موضع غيظ الحمار والثعلب والطاووس؛ فإنّهم ذكروا أعذارهم يوم انتُدبوا للذهاب، وكرهوا أن يذكرها غيرهم. فكان كلّ ثناء على الظبي يقع في آذانهم كأنّه تعيير لهم.
وكان في الغابة غراب يُظهر الحكمة والزهد، يغمض عينيه إذا ذُكرت الدنيا، ويفتحهما إذا جرى ذكر المناصب. وقد اغترّ به الأسد السابق فعيّنه قاضيًا، فبقي يحسب أنّ كلّ ما يخرج من منقاره يُقبل بغير شاهد.
وكانت حرباءة تدبّ حول العرين، تتشمّم الأخبار، وتترقّب الداخل والخارج. فدنا منها الغراب يومًا وقال: عندي ما يُغنيك عن الدوران.
قالت: هاتِ.
قال: محسوبون على الأسد يتخلّون عنه!
قالت: مَن تعني؟
فأمال رأسه ناحية الطريق التي جاء منها الظبي بالدواء.
قالت: الظبي؟
قال: لم أسمِّ أحدًا. ولكنّ الفطنة تُغني عن الأسماء.
ثم زاد: وقد تغيّر قلب الأسد عليه، بعدما قرّبه ودافع عنه.
فدبّت الحرباءة بالخبر حتى بلغت الحمار والثعلب والطاووس، فما فرغت من روايته حتى وجد كلّ واحد منهم فيه ما يشفي صدره.
قال الحمار: لقد رأيته يخرج من العرين!
قال الثعلب: وأنا رأيته يبتعد عنه.
ونفش الطاووس ذيله وقال: وكان يعطينا ظهره!
وكان الظبي قد خرج يشرب.
قال الثعلب: كنت أعلم أنّ وراء حمل الدواء أمرًا.
قال الحمار: وأنا استربتُ من الدواء نفسه.
وقال الطاووس: أمّا أنا فلم يخدعني تواضعه!
ومضوا ينشرون الخبر، كلٌّ من ناحية، حتى سمعه الحمار من طائر، فعاد يصيح: قد تأكّد! بلغ الطيور أيضًا!
وكانت سلحفاة عند المورد، فسألتهم: وما الذي صنعه الظبي؟
قالوا: تخلّى عن الأسد.
قالت: أقال ذلك؟
قالوا: أخبرتنا الحرباءة.
فجاءت الحرباءة، وأحالتهم على الغراب. فاستُدعي، وأقبل يتمهّل، ينتظر أن يُفسحوا له موضعًا يليق بحكمته.
قالت السلحفاة: ما بيّنتك على الظبي؟
قال: لهذه الأمور خفايا.
قالت: أسمعتَه يقول إنّه فارق الأسد؟
قال: ليس كلّ ما يُعلم يُقال.
قالت: فما الذي رأيتَه إذن؟
فأخذ يهمهم، ويسوّي ريش صدره، ثم التفت إلى الحمار، فإذا هو يتأمّل أذنيه في الماء.
واستجمع الغراب صوته وقال: أما يكفيك أنّ الغابة كلّها تتحدّث به؟
وقبل أن تجيبه، ظهر الظبي حاملًا جرعة أخرى من الدواء، ومضى بها إلى العرين، فناداه الأسد وقرّبه.
قالت السلحفاة: هذا الظبي يدخل على الأسد ويحمل إليه الدواء؛ فأين ما زعمتم؟
فأخذ الغراب يهمهم، ولصقت الحرباءة بالجذع.
قال الثعلب للطاووس: انشر ذيلك أمام العرين!
فنشره، ووقف الحمار إلى جانبه يستر المشهد. ثم صاح الثعلب بالحرباءة: أسرعي إلى بقية الغابة!
قالت: وماذا أقول؟
قال: ما قلتِه أوّل مرة.
فقال الحمار: ولكنّنا رأيناه!
التفت إليه الثعلب وقال:
اكذب، اكذب، اكذب… حتى يصدّقك الناس!










