البرلمان… قصة سجالات لا تنتهي

beirut News11 أكتوبر 2026
البرلمان... قصة سجالات لا تنتهي

وُجد البرلمان  في الأنظمة الديمقراطية ليكون المكان الذي تُصنع فيه القوانين ويُحاسَب فيه أصحاب القرار، لا المكان الذي تُصفّى فيه الحسابات. فهو المساحة الدستورية التي تُمكّن ممثلي الشعب من التشريع والرقابة ومناقشة السياسات العامة، ومحاسبة الحكومة على أرقامها وأدائها، وتقديم إجابات شافية عن أزمات المواطنين المعيشية والخدماتية. أما في لبنان، فكثيراً ما انقلبت المعادلة، فتحولت القبة التشريعية من منصة لتفكيك الأزمات إلى مسرح مفتوح لتصفية الحسابات السياسية وتبادل السجالات الشخصية.



ويرى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن شرعية القرار الديمقراطي تُستمد من جودة النقاش العام، حيث يتبادل المتحاورون حججاً قابلة للفحص سعياً إلى التفاهم، وهو ما يسميه “الفعل التواصلي”. في المقابل، يحذّر من “الفعل الاستراتيجي” الذي يُستعمل فيه الكلام أداةً لتحقيق مكسب أو تحسين موقع. وقبل ذلك بقرن ونصف، ذهب الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت مل في كتابه “اعتبارات في الحكومة التمثيلية” إلى أن الوظيفة الأساسية للبرلمان ليست إدارة الحكم، بل مراقبة الحكومة ومساءلتها وكشف أعمالها أمام الرأي العام، وإلزامها بتبرير قراراتها. وعندما يغيب أثر المحاسبة الفعلي، يتحول السؤال البرلماني من أداة رقابة إلى وسيلة لإعلان موقف، ويصبح الانتصار على الخصم أهم من مناقشة الملف نفسه.

بالعودة الى البرلمان في لبنان، أول ما يلفت في أداء الكتل النيابية هو طريقتها في مقاربة القضايا السيادية الكبرى. فبدلاً من مناقشة أداء الحكومة في الملفات الأمنية والحدودية بروحية تحصين الجبهة الداخلية، تتحول القاعة إلى حلبة لاستنهاض العصب المذهبي والشعبي. يتركز النقاش حول قرارات السلم والحرب، وحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، والالتزام بالقرارات الدولية، ليُعاد إنتاج الاستقطاب العمودي نفسه في كل جلسة. وتتحول الخطابات من تقييم موضوعي لدور الدولة في حماية مواطنيها وتأمين مقومات صمودهم، إلى اتهامات متبادلة بالتخوين، أو بالارتهان لمشاريع خارجية، مما يغلق الباب أمام أي رؤية اقتصادية واستثمارية تحتاج بالضرورة إلى استقرار سياسي وأمني. وهنا يغيب ما يسميه هابرماس “الفعل التواصلي”، اذ تسقط الحجة وتحل مكانها الإدانة: كل طرف يخاطب جمهوره لا خصمه، ويسعى إلى الحكم على الآخر لا إلى إقناعه.



المزايدات الشعبوية وإسقاط الحلول المعيشية



وبينما يواجه المواطن تدهوراً مستمراً في قطاعات الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، وتراجعاً حاداً في القدرة الشرائية، وغياباً لخطة عادلة تستعيد أموال المودعين وتصحح الرواتب، تأتي جلسات الموازنة والمساءلة لتزيد من عمق الفجوة بين الشارع وممثليه. يُستبدل نقاش الأرقام والخطط الإنقاذية بشعارات فضفاضة تُرفع أمام العدسات التلفزيونية لتعزيز الموقع السياسي ورفع مستوى الشعبية. وبدلاً من تفعيل آليات الرقابة ومساءلة الوزارات المقصرة وفق مهل زمنية ومؤشرات إنتاجية محددة، تضيع الأولويات المعيشية في لعبة تحميل المسؤوليات المتبادلة وتوزيع الاتهامات حول المتسبب بالانهيار. وهذا عكس الوظيفة التي أرادها جون ستيوارت مل للبرلمان: إلزام الحكومة بتبرير قراراتها وكشف أعمالها أمام الرأي العام. فحين تحل الشعارات أمام الكاميرات مكان الأسئلة المحددة، تخسر المساءلة مضمونها ويبقى شكلها.



تصفية الحسابات الشخصية



لا يتوقف الأمر عند الانقسام حول الملفات الكبرى، بل يتعداه إلى انحراف الحوار المؤسساتي نحو سجالات شخصية وتبادل للأوصاف والمكايدات التي تسيء لدور المؤسسة التشريعية. وغالباً ما تعكس هذه التوترات تعثراً في المقايضات والصفقات التي تُحسم عادةً خلف الكواليس حول التعيينات أو الحصص. وعندما يعجز الأفرقاء عن التوصل إلى توافقات جانبية، تنفجر الخلافات تحت القبة على شكل مشادات كلامية وشتائم تُرفع على إثرها الجلسات من دون الخروج بقرارات حاسمة تخفف من معاناة الشارع. وبلغة هابرماس، هذا هو “الفعل الاستراتيجي” بامتياز: الكلام أداة لتحسين الموقع التفاوضي أو الضغط في صفقة معينة، لا وسيلة للوصول إلى تفاهم حول الصالح العام.

 التعامل مع الجلسات النيابية كمنصات لإبراز المواقف وتسجيل النقاط السياسية يُضعف أداء الدولة ويؤخر إقرار القوانين الإصلاحية المفصلية. فبدل أن تكون الجلسات مساحة للحوار القائم على الحجة والمساءلة التي تترتب عليها نتائج، غالباً ما يهيّمن عليها منطق تسجيل الحسابات السياسية.

وليس الغرض تسمية رئيس او حزب أو كتلة أو نائب أو وزير بعينه، فالأسماء تتبدل والوجوه تتعاقب عبر الزمن، بينما يتكرر المشهد نفسه منذ تأسيس الدولة. ولا يعني ذلك أن كل الجلسات كانت على هذه الحال، فقد أنتجت بعضها تشريعات وتوافقات فعلية، لكنها بقيت استثناءً لا قاعدة. وهذا يدل على أن الخلل في طريقة ممارسة العمل النيابي، لذلك فإن استعادة ثقة المواطنين ببرلمانهم تتطلب تحولاً في السلوك السياسي، وربط القرارات بالأفعال، بنتائج ملموسة، بعيداً عن منطق تسجيل النقاط وتبادل السجالات الشخصية.